الأشكال الفنية الفخارية في ثاج

للدكتور/ سيد أنيس هاشم

 

 

 

مقدمة :

تعتبر منطقة ثاج واحدة من أهم المناطق الأثرية التي تعود للألف الأول قبل الميلاد في المملكة العربية السعودية، وأكثرها شهرة. وهي تقع في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية ، وقد جذبت اهتمام وانتباه الدارسين منذ مطلع هذا القرن .

ويبعد الموقع حوالي 95كم عن ساحل مدينة الجبيل على الطريق القديم إلى اليمن عبر وادي الدواسر وقرية الفاو . ويحاط الموقع ببقايا جدران قديمة مع العديد من منشآت المباني والمدافن ذات الأهمية الأثرية الكبيرة . وقد أجرت إدارة الآثار والمتاحف سلسلة من الحفريات بموقع ثاج القديم شملت حوائط المدينة والأبراج وما يطلق عليه تل الحديد، وقد كشفت تلك الحفريات عن وجود رواسب أثرية بعمق 2متر تقريبا، وتبين وجود خمسة مراحل أثرية. وقد أمكن العثور على عدة أنواع من الآثار في تلك الحفريات ، منها على سبيل المثال العملات النقدية والأواني الخزفية، وخبث الحديد، والأصداف ، والدمى الفخارية الصغيرة.

ولا توجد بالمملكة العربية السعودية مواقع عديدة تضم دمى فخارية بأعداد كبيرة، فبعض الدمى الصغيرة قد تم تجميعه من الفاو والبعض من مأرب ونجران و تيماء ومدائن صالح وما حولها . وبالتالي فقد يظن بأن ثاج كانت واحدة من أكبر المراكز المنتجة والمستخدمة للدمى الفخارية ولهذا السبب أعطت لهذه الدمى الفخارية أهمية خاصة في الدراسة البحتة والمقارنة من حيث الأوجه المختلفة لها فنياً ونوعياً وأشكال الأيقونات (إكنوقرافيا).

 

دراسة أنواع الدمى الصغيرة

أجري هذا الوجه من أوجه الدراسة على أساس سمتين من السمات التشخيصية هما الأشكال والأساليب ، فعلى أساس الأشكال انقسمت هذه الدمى إلى مجموعتين رئيسيتين هما دمى الحيوانات والدمى البشرية ، وقد صورت الدمى البشرية في أشكال الإناث والذكور على حد سواء ويبلغ العدد الكلي للدمى البشرية الذكرية التي تم اكتشافها ستة رؤوس دمى ، وخمسة دمى نصفية ( من الرأس للصدر ) وقد تم تصنيفها من حيث الشكل إلى مجموعتين فرعيتين هما مجموعة دمى لأشخاص ضعفاء ومجموعة أخرى لأشخاص أقوياء .

وعادة ما تمثل فئة دمى الضعفاء بجذع قصير وخفيف مع فم صغيرة وانف إما مفلطح أو حاد وبرأس قصيرة في بعض الأحيان ، وفي دمى هذه الفئة هناك دميتين يمثلان العجز وعدم المقدرة لدى الشخص ، ومن احدى الدمى يظهر بالجانب الأيمن من الوجه آثاراً لوجود شلل . ويبدو التأثير الشديد لهذا المرض بصورة واضحة عن طريق تدلي الفم وانحراف العينين. ومن الدمى الأخرى التي تنتمي لهذه الفئة تلك الدمية المتمثلة بعين تالفة فأحدى العينين عادية بينما الأخرى غائرة بعمق داخل تجويف العين. ومن المحتمل أن تكون هذه الدمى من بين النذور والهبات المقدمة لآلهتهم بغرض العلاج من تلك الأمراض. وهذا النوع من الهبات لم يكن ظاهرة جديدة في الحضارات القديمة، والتي لوحظت للمرة الأولى في آثار المملكة العربية السعودية.

وتصور مجموعة دمى الأشخاص الأقوياء بصدر عريض وجسم ذي عضلات ، وخصر ضيق ، وجذع طويل وهذا النوع من الدمى يمثل ذكراً قويا من المحتمل أن يكون إلهاً لدينهم . ويمكن مقارنة هذا الجذع بجذع المعبود ماردوك بالديانة البابلية أو زييوس بالديانة الإغريقية ، أو حداد بالديانة النبطية.وتصور دمى أخرى من هذه المجموعة برجل ذي شعر معقود بمنتصف الرأس ، ونصف جزء الشعر مكسور، وغالباً ما يوجد انعقاد الشعر بمنحوتات العصر الهيليني ، ولكن هذا النمط مختلف تماماً عن ذلك ويمكن مقارنة نمط الشعر الممثل بهذه الدمية بالمنحوتات الفخارية لدى المهن  القديمة والتي أنتجت بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي . وقد اكتشف الشعر المعقود بمنتصف الرأس أيضاً في دمية لذكر بآثار الفاو ، وقد عثر أيضاً على رأس أخرى لدمية تمثل رجلاً ذا ملامح أشورية أو بابلية جديدة. وقد صورت الرأس بوجه كبير ذو لحية طويلة وشارب وأنف مخفوق وعينين حادتين وحواجب كثيفة وكانت الدمية مغطاة بأسلوب ناقوسي الشكل حيث تدلت خصلتنا من الشعر أسفل الرقبة، ويحتمل أن تكون هذه الدمية ممثلة لقسيس. وفي بعض دمى هذه الفئة ظهرت أيضا أكاليل الزهور في شكل نقاط قاطعة .

 

الدمى الأنثوية :

يبلغ عدد الدمى الأنثوية التي تم اكتشافه عشرة قطع . وغالبيتها مصورة في وضع الجلوس والسمات الأساسية لهذه الدمى هي الأرداف والخصور الضيقة والأفخاذ الممتلئة والسميكة والأرجل المشدودة والأقدام ذات الأصابع المعلمة.

وأحجام هذه الدمى غير متماثلة في العادة مع أجسامها ، وغالبية هذه الدمى مصورة بدون ملابس ولكنها مزينة بحلي حول الرقبة والوسط والرسغ ، وشعر العانة ظاهر بوضوح بالدمى سواء بشكل خطوط قصيرة أو نقاط. وبعض الدمى تحمل علامة مثلثة صغيرة مع قليل من النقاط عند البطن، ويحتمل أن ترمز تلك العلامة لحالة حمل مبكرة في صورة عنقود من الخلايا والبعض الآخر يحمل علامة بشكل نصف هلال مملوء بالنقاط القصيرة والتي من المحتمل أن ترمز لمراحل متأخرة من الحمل .

وقد ظهر في الدمى نوعان من أنواع الشعر ، الأول ذو تصميم مظفر من ثلاث ظفائر إحداها في الوسط واثنتان على كل من جانبي الظهر، ويمكن ملاحظة نفس أسلوب الشعر من دمى الفاو. وفي النوع الثاني ، نجد خصلة الشعر بأكملها مجدولة في ظفيرة واحدة مستقرة على الكتف وهذا النوع يمكن مقارنته بخصلة الشعر المتدلية لأسفل فوق كتف مائل في استرخاء لتمثل إلهاً نبطيا وهذا البرهان يدل على قيام النساء بتربية شعورهن وفي أغلب الدمى الأنثوية نجد أن الجزء السفلي من الجسم ثقيل جداً وهو يدل على البدانة كانت شائعة جداً بين النساء وكانت رمزاً على الحالة الاجتماعية .

إن تصوير الدمى الأنثوية مزينات بالحلي وبدون ثياب وهن جالسات مبتهجات ذوات شخصيات قوية والأجزاء الخاصة من الجسم مكشوفة غالباً ، يدل على أن تلك الدمى لم تكن لتصور نساء عاديات أو دمى ولكنها لكائنات بشرية متفوقة في شكل إلاهات أمهات ، وبالتالي لم يكن هناك حاجة لآن يرتدين ثياباً تعبيرية، فقد كن لأمهات لكافة الأشياء الحية بما في ذلك النباتات والمخلوقات ورمزاً للالوهية والخصوبة والأمل في حياة آخرة أفضل بعد الممات . أما البدانة وثقل صدورهن وجلوسهن في شكل مبتهج ، فهل هذه الأمور تمثل عظمتهن واحترامهن.

وإذا ما قارنا هذه الدمى مع تلك الفخاريات من العصر الهيليني بحوض البحر الأبيض المتوسط لوجدنا أن الإلهات الهيلينيات كن دائما مرتديات لملابسهن. إن تصوير الإلهات الأمهات بدون ثياب كان ظاهرة للعصر المايوسيني عند الإغريق وعصر الهارابن عن وادي الاندوس . ولقد تغير هذا النمط عند اليونان الكلاسكيون والإغريق الهيلينيون ولكنه استمر في شبه القارة الهندية لعصر متأخر جداً . ويمكن أن نعثر على دليل لهذا التقليد في الدمى المنحوتة من خاجوراهو بالهند الوسطى والتي صنعت في القرن العاشر بعد الميلاد.

والفن بالمملكة العربية السعودية لا يعطي أي برهان على الآلهة الأم بهذا الشكل ، ففي الرسوم الصخرية للدمى البشرية في المنطقة يلاحظ دائماً أن الرسوم كانت مخططة وكانت التمثيلات الوثنية معلمة بسمات وجهية. وعلى العكس من ذلك فإنها تقدم برهاناً لشكل نموذجي للآلهة الأم ذات الجسد النحيف الطويل والشعر المتطاير . وكانت تقاليد عبادة الآلهة الأم من هذا الشكل والتي تدعى عند البادية الآن باسم عليه شائعة قبل دخول الإسلام بعدة عقود قليلة، ولقد لوحظت دمى قليلة للآلهة الأم من الجزء الجنوبي للمملكة العربية السعودية ، والذي يمكن تأريخه بقبيل العصر الحديدي أي 1000 سنة قبل الميلاد ، ولم تلاحظ أشكال أنثوية تنتمي للرسوم الصخرية من العصر النحاسي ولم تصور سوى الأشكال الذكرية ذات الأعضاء التناسلية المبالغ جداً في ضخامتها، وتظهر أهمية الأجزاء التناسلية كرمز على الفحولة والخصوبة وهذا الشكل من الفن كان سائدا في المنطقة في العصر الحديدي ولكنها لم تظهر إطلاقا على أشكال بشرية في العصر الحجري الحديث .

إن النظرة عن قرب للرسوم الصخرية بالعصر النحاسي والبرونزي بالمملكة يدل على سيطرة آلهة الذكور على الدين حيث صوروا في الغالب على أنه خالق العالم ، كما كان بالنسبة للإله مردوخ في بابل وزيوس في اليونان وشيفا كخالق العالم في الهند وحداد في البتراء (تعالى الله ) .

في الحقبة الأخيرة ، يبدو أن أهمية الآلهة  الذكور أخذت في التضاؤل تدريجياً بينما بزغت ثانية في المنطقة الآلهة الإناث في شكل إلاهات أمهات في الألف الثالث قبل الميلاد . بالحضارات القديمة بالشرق والغرب ويحتمل أن يعود ذلك لتأثير البابليين من الشرق والعالم الهيليني من الغرب .

كان هذا التأثير محسوماً في ثاج في ذلك الوقت نظرا لطبيعتها العالمية حيث انصهر فيها أقوام في جزاء كثيرة من العالم ذوي خلفيات ثقافية ودينية متنوعة حيث أصبحت مركزاً تجارياً كبيراً غير بعيد عن شواطئ الخليج .

وهناك مجموعة أخرى من الدمى الفخارية تم اكتشافها في ثاج عبارة عن مجموعة من الحيوانات والطيور تشمل الجمل والثور والأسد والحصان وأفعى الكوبرا والدلفين والنسر والبومة. والجمل واحد من أكبر الحيوانات شيوعاً بين الدمى الفخارية التي عثر عليها . فقد صور هذا الحيوان في أشكال وأساليب مختلفة ومزخرفة . وفي بعض الأحيان كان المالك يعلمه بعلامات تعرف بالوشم سواء على رقبة الجمل أو فخذه .

ومن الجدير بالذكر أن نلاحظ تلك الحيوانات والطيور ذات الخلفيات الأسطورية سواء في الديانة السومرية أو البابلية أو ديانة وادي اندوس أو الديانة الإغريقية أو البالمورينية أو الديانة النبطية ، وقد تم تصويرها في شكل دمى صغيرة فقد ، على سبيل المثال كان الجمل حيواناً على جانب كبير من الأهمية في مجتمع ما قبل الإسلام في بلاد وادي الرافدين وأجزاء أخرى من شبه الجزيرة العربية. وقد أعتبر كسفينة الصحراء فضلا عن رمز الرخاء وحتى بعد الوفاة كانت الجمال تقدم قربانا تدفن بمفردها مع الشخص المتوفى ، كوسيلة للانتقال إلى العالم الخارجي . ولقد اكتشف هذا الدليل من حفريات مقابر جنوب الظهران حيث تم العثور على هياكل عظمية للجمال مختلطة بهياكل عظمية بشرية . ولقد استمر أهمية الجمال حتى في الأزمنة الحديثة، وكان لهذا الحيوان نفس الأهمية لدى الأنباط .

 

الثـــــــــــــور :

والثور هو الحيوان التالي الذي صور في شكل دمى صغيرة، فقد كان للثور أهمية عظيمة لدى السومريين والبابليين وديانة وادي الاندوس وقد صور الثور أيضا في عبادة الزيوس كقوة للإخصاب ، وقد استعار الأنباط هذا الرمز منهم . ففي ايقوناتهم كانت سلالة الثور التي ظهرت عادة في رسومهم من نوع الثور الهندي ذي السنام أو الدرباني ورأسي الدميتين اللتين عثر عليهما من حفريات ثاج هي لثور هندي ذي سنام .

 

الأســـــــد:

والحيوان التالي المصور في شكل دمية هو الأسد ، حيث صور في شكل قاسي ولكن في موضع غضب شديد، وكلٌ من الأسد والنمر مقترنة بصورة عامة بالآلهة في الشرق القديم ، ففي ديانة الرافدين تم تصويره كقوة وفي الديانة الهندوسية ارفق بالآلهة دورما كمركبة لها . وفي الديانة النبطية صور الأسد عادة كحيوان في انتظار الآلهة عثر جانيس زوجة الإله حداد .

 

الحصــــــــان :

والحيوان الذي يلي ذلك في أشكال الدمى هو الحصان، وقد أكتسب هذا الحيوان نفس الأهمية كالجمال ، وقد أقترن بتسهيل السفر في الظلام بعد الممات ، وقد أضيفت الخيول والإبل بالتحرر التذكاري للنبطيين.

 

الأفعــــــــى:

والدمية التالية لأفعى وهو مصور على شكل كوبرا ، وقد اعتبرت الأفعى بصفة عامة كعامل قديم للعلاج والخصوبة، وقد اقترنت بالوعد بالخلود في الحياة بعد الممات وقد اكتسبت سمعة طيبة من وادي الرافدين ومصر وسوريا وآسيا الصغرى ، أما في اليونان فقد اقترنت بالإله زيوس ، وفي الهند كقصة شعر من الإله شيفا. ونظرا للتأثيرات المصرية واليونانية، فقد ظهرت في الديانة النبطية ما  تقديس  الأفعى بمدائن صالح في المملكة العربية السعودية إلا مثالاً حيا لإلوهيتها ( في عقيدتهم الباطلة ) .

 

حيوان بحري : الدولفين

والحيوان التالي الممثل في شكل دمية هو الحيوان البحري - الدولفين، وقد عثر على جزء من رأس هذا الحيوان فقط بين الحفريات، وقد عثر على صورة لمخلوق بحري يحتمل أن يكون فقمة، يحمل نقشاً تشبيهياً للمك الأشوري اشوربيل كالا وهو محفوظ في متحف اسطنبول ، حيث وضعها من بوابة مدخل قصره الجديد الذي بناه في مدينة آشور بالعراق ، ونحن لا نعرف الكثير من مدى أهميته في ذلك المجتمع وقد ارتبط هذا بغالبية آلهة العبادة النبطية.

وقد تم العثور على دمية كاملة من البرونز لدولفين بالفاو، وهو ما يوضح مدى ارتباطهم بالدلافين في عبادتهم الدينية ولا يمكن اطلاق الاحتمال على آثار ثاج ايضا.

ومن بين الطيور عثر على رأسين من الفخار إحداهما تمثل نسراً والأخرى تمثل بومة . كان النسر واحدا من أكثر الطيور أهمية  بالديانة البابلية وقد صور بصفة عامة برأس مزدوجة ، كما كان ايضا أهم الطيور في الديانة النبطية ممثلا في زيوس - حداد وقد اقترن بأتارجاتيس زوجة الإله حداد ، وقد مثل النسر في مدائن صالح عادة مع الأفعى.ومن الدمى الأخرى المثيرة للاهتمام من مجموعة الطيور رأس البومة، فهذا الطائر شغل أيضا مكانا مرموقا بالديانة البابلية وقد اكتسب أهمية بالديانة الهلينية  حيث كان بمزاللمعرفة والحكمة وعادة بالآلهة اثينا بالديانة الإغريقية . وقد قام أحد فراعنة مصر ويدعى تاكوسي بضرب عملات نقدية تحمل صور البومةعام 361قبل الميلاد ، ويحتمل أن تكون فكرة تصوير هذا الطائر راجهة لتأثير الهيلينية في الديانة.

 

 

تصنيف الدمى على أساس الترتيب الطبقي والأساليب المناظرة لها :

تنقسم الدمى بموجب هذا التصنيف إلى مرحلتين: مرحلة قديمة ومرحلة حديثة.

المرحلة القديمة :

في المرحلة القديمة كانت الدمى غير كاملة وبصفة خاصة الدمى البشرية حيث يصعب جداً التعرف فيها على الكتف والوسط. وفي أغلب الدمى لا يوجد تناسق بين الرؤوس والأرجل ، والقليل منها اسطواني الشكل . وقواعد الدمى كبيرة ومفرغة قليلا وتوجد الزخارف عادة على الرئتين والبطن وعلى بعض أجزاء الجسم ، فالصدر والشعر مثلا قد أضيفا بواسطة قطعة منفصلة من الصلصال. والعيون مشوهة وأكثر استدارة وتمثل الحيوانات في دمى هذه الفترة غالبا بالجمال مع أرجل مخروطية وعنق مرتفع وذيل مرفوع وهو ما يمكن مقارنته بالرسوم الصخرية بالمملكة العربية السعودية.

 

المرحلة الحديثة:

في المرحلة الحديثة توجد دمى أفضل من مثيلاتها بالمرحلة القديمة وأثناء هذه المرحلة  نجد تشكيلة من الحيوانات والدمى البشرية التي تبين السمات المتنوعة وقد أنتجت دمى الحيوانات مثل الجمل والحصان والأسد والثور والنسر والحدأة، وقد صنعت الدمى البشرية بفروق واضحة بين الكتف والأرجل ولكن القواعد أصغر بشكل عام ، والأرجل غير متناسبة مع الأقدام والزخارف على البطن مباشرة وأسفل الصدر . ومن الدمى الهامة بهذه المرحلة ممثلة بجزء رأس قس آشوري بابلي جديد كما سبق بيانه سابقا، وبعض الدمى البشرية تصور أوضاعا غير عادية مثال ذلك تمثالين من الدمى حيث احد الثديين كبير والثدي الآخر صغير جدا، وهو ما يمثل بعض التشوهات في الصدر .كما أن الدمى البشرية الذكرية التي تمثل شللا ومرضا بالعين تندرج أيضا تحت هذه المرحلة .

وفي بعض دمى الجمال بهذه المرحلة توجد زخارف تعريفية وعلامات محفورة فضلا على العلامة الدالة على المالك والتي تعرف بالوشم وهذه توجد إما بالفخذ أو برقاب الحيوانات .والجمال مصورة وهي إما في حالة سكون أو في حالة حركة مع فم مفتوح وأحيانا بآذان منتصبة. وعلى ظهور بعض الجمال توجد سروج وهي معلمة بعلامة منقوشة أيضا.

وهناك بعض السمات المشتركة بين الدمى بكلا المرحلتين، وعلى سبيل المثال الدمى الأنثوية كانت دائماً ممثلة بصدر ثقيلة وأفخاذ سميكة وأرداف بارزة ومؤخرات عريضة وشعر غزير، والبدانة سمة شائعة جداً في الدمى الأنثوية وغالبية الدمى الأنثوية ممثلة بأذرع مقوسة وهي تساند أو تلمس صدورها بكلتا اليدين ، وأغلب هذه الدمى في وضع جلوس مع أرجل مفرودة ومن السمات الشائعة أيضا بها تزيين الرقبة والصدر والمعصم .

والدمى الحيواني وبخاصة الجمال مصورة بشكل عام بأرجل مخروطية ورقاب طويلة وذيول ملتوية بكلا المرحلتين. والحيوانات الأخرى مصورة في وضع ساكن بدون حركة .

 

 

زخارف الدمى الفخارية وأنماطها :

تم تصوير ما مجموعه ثمانية مؤثرات زخرفية منقوشة بالدمى . وهذه المؤثرات تشمل النقاط والحفر والمثلث والخطوط قليلة الإنحناء والخطوط الصماء الممتدة من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار والدوائر غير المكتملة والاهلة . وقد تم دمج هذه المؤثرات في خمسة عشر نمطاً مختلفا، وهذه الانماط هي  نقاط مرتبة في خط ، ونقاط مرتبة لتشكل صليب وحزمة من خطوط مائلة تمتد من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار، ومجموعة من ثلاثة خطوط مقعرة متجهة لأعلى وخط رأسي من نقاط إلى اليسار، ونقاط بين خطين رأسيين ونقاط بين متوازيين وخط مقعر مع نقاط متجهة لأسفل ، ومثلث ذو نقاط وتنظيم هلالي في شكل مائل، وحفر في شكل نصف دائري، وتراكيب اميبية مع نقاط ، وكافة هذه العناصر والأنماط مبسطة جداً وهي توجد بوجه عام في صناعة النحت ومن المؤثرات الشائعة جداً، الزخرفة بشكل خطوط ونقاط فالخط شكل بسيط جدا من الزخرفة والنقاط تمثل الكريات التي كانت من أنواع الزخارف الشائعة جداً في ذلك الوقت وقد يكون ذلك نتيجة للتأثر بصناعة اللؤلؤ في الخليج ، وكانت تلك العناصر شائعة ايضاَ بين النبطيين ، وقد شوهدت العناصر التي تشكل مثلثاً مع نقاط قليلة وحفر بشكل نصف دائري على بطن آلآلهة الأمهات ، أما الانماط التي تشكل نقاطا متقاطعة وتراكيب اميبية مع نقاط فقد وجدت غالبا غلى رقاب قليلة وافخاذ دمى الجمال ممثلة لوشم علامة المالك وقد اكتشف الوسم ايضا بالرسوم الصخرية لصور الجمال بالمملكة وهذا النوع من العلامات لا يزال مستخدماً للدلالة على ملكية الحيوانات بين البدو .وقد استخدمت المؤثرات كالخطوط والنقاط المزدوجة...الخ ، لكي تمثل الزخارف على الرقبة والصدر والوسط للآلهة الأمهات .

 

 

أنواع عيون الدمـــــــــــــــــى:

وجد ما مجموعه ثمانية أنواع من عيون الدمى، وهذه تشمل الهلال المزدوج، والشكل البيضاوي من موضع افقي ، وعيون بارزة في اتجاه الأنف وعيون مستديرة وعيون بيضاوية الشكل في أوضاع مائلة للأعلى وبعضها مائل للأسفل ، والأنواع الأربعة الأولى من العيون شوهدت على دمى بشرية، أما الأربعة الأخيرة وهي الأكثر شيوعا، فقد وجدت بكافة أنواع الدمى بما في ذلك الدمى البشرية ودمى الحيوانات والطيور.

 

 

الدمى المصنوعة من خبث الحديد:

لقد اكتشفت عدة قطع من الدمى مصنوعة من خبث الحديد، مع الدمى الفخارية بالموقع وغالبية هذه القطع تشبه الدمى الممثلة للإنسان والطيور. وإحدى هذه القطع تشبه فتاة في وضع راقص، رافعة إحدى ساقيها، والقطعة الأخرى تشبه النصف العلوي للذكر ، والقطعة الثالثة تشبه طائرا جالسا كالبطة، وقد جمعت كافة هذه القطع على أنها تصوير طبيعي لألهتهم ، وغالبية هذه القطع قد عثر عليها في مكان كان يفترض فيه أن يكون كومة من الحديد من قبل الحفارين، وكانت هذه القطع المصنوعة من خبث الحديد  مصحوبة بقطع مكسورة من مواقد حرق البخور المصنوعة من السيراميك ، وهي في الغالب مربعة الشكل ومحفورة في شكل نصف دائري ، على الأرجل والحواف الأمامية ومدهونة بقصاصات بيضاء. وقد استخدمت كافة البخور هذه لفترة واحدة فقط وقد وجدنا علامات حرق قليلة جدا داخلها .

 

 

الدمى من الناحية الفنية :

أظهرت الدراسات والفحوصات العينية ، استخدام ثلاثة أنواع من الطفلة(عجينة) في صناعة الدمى هي :

  • طفلة ناعمة مصقولة ملساء خالية من مواد الحشو.

  • طفلة محببة متوسطة ومحشوة بقطع صغيرة من حجر صوان غير نقي .

  • طفلة من نوع رملي خشنة ومحشوة بقطع من صخر صوان غير نقي .

وجميع الدمى صناعة يدوية ولم تستخدم على الإطلاق العجلات والقوالب وتوضح هذه الدراسة أن غالبية الدمى قد تم إعدادها في مرحلتين

المرحلة الأولى: شكلت قطعة صغيرة من الطفلة( الصلصال) بالشكل المرغوب مع سمات تقريبية، وفي المرحلة الثانية : بينما الدمية لا تزال متصلدة الجلد ، أضيفت إليها طبقة ثانية سميكة من الطفلة الناعمة ، وعندما أصبحت الطبقة الثانية متصلدة جلدية، أعطي للدمية الشكل المرغوب ، وتم زخرفتها وتصوير السمات الأخرى بالدمى بأداة حادة مصنوعة إما من الخشب أو الحديد. وقد تم إعداد بعض الدمى مباشرة لصلصال خشن ورملي النوع . ومثل تلك الدمى تكون في العادة قاسية جدا في شكلها، وفي حالة من البلى الشديد بسبب الرواسب الملحية على السطح، وفي أغلب الدمى ألصقت الأيدي والأرجل والرقاب بصورة منفصلة بالجذع بواسطة عصا خشبية رفيعة. ويبين المقطع العرضي لقطعة من الرقبة بدمية لجمل تم لصقها بالجذع بواسطة عصا، وجود أربع حلقات، الحلقة الأولى تظهر طبقة رقيقة جدا من الطفلة البيضاء، كانت مستخدمة كطبقة عازلة عند دهان الدمية باللون الأبيض ، والطبقة الثانية كانت بسمك 2ملم، ومصنوعة من طفلة ناعمة ملساء، والحلقة الثالثة وهي شديدة السماكة ومصنوعة من طفلة خشنة محببة والحلقة الرابعة وهي عبارة عن عصا محترقة من الخشب في شكل فحم حجري ويبدو أن العصيات الخضراء قد استخدمت غالبا في لصق المفاصل، لأنه بسبب الدخان من الأغصان ، أثناء الحريق، وأصبحت المنطقة الداخلية للدمية بأكملها مسودة بالرغم من الطفلة اللطريط التي تتحول إلى اللون الأحمر عقب الحرق ، وعند تجفيف الدمى تحت الشمس، فأنها اكتسبت طبقة خارجية رقيقة إما بيضاء اللون مكونة من سائل سميك من كوبونات الكالسيوم أو أكسيد الحديد الذي يتحول عقب الحرق إلى لون أبيض وأحمر على التوالي .

 

 

الحــــــــــــــــــرق :

يبدو أن أسلوب التأكسد قد استخدم بمفرده في الحرق. وفي أغلب الحرق بلغت درجة الحرارة درجة عالية تزيد عن 600 درجة مئوية وكانت عملية التأكسد كاملة في العادة لأن الدمى غالباً ما كانت تتحول إلى طبقة جلدية حمراء اللون وبعض الدمى في أماكن معينة قد تحولت إلى اللون الأسود ، وفي حالات قليلة كانت سوداء تماماً وكان ذلك راجعا لاختزال الهواء أثناء الحرق وتدخين الوقود ومثال ذلك روث الجمال وبقايا الماعز والنباتات الخضراء وتدل النقاط السوداء المدخنة بالدمى على استخدام أفران حرق من النوع المفتوح الرأسي ، حيث درجة الحرارة  غير مراقبة، وتدل الحفريات التي أجريت خارج خط ثاج على وجود فرن رأسي من نوع آهادي أو آرامي ، وتتكون موجودات موقع الحفر من ثلاث غرف وفرن رأسي ورواسب من الرماد وقطع من الفخار بكمية كبيرة إلا أن تفاصيل الفرن الرأسي غير متوفرة، ويحتمل أن يكون هذا المكان هو نفسه الذي صنعت فيه الأواني الفخارية وحرقت وبالتالي من المحتمل جدا أن يكون هناك فرن رأسي من نوع ثابت قد استخدم في الحرق بالفترة الحديثة وهو ما يشير لحدوث تحسينات عن الفترات القديمة.

 

 

تأثيرات الديانة البابلية والنبطية على الدمى:

أظهرت دراسة أجريت  عن قرب للدمى أن أغلبها قد صنع ممثلاً لحيوانات وطيور مرتبطة ، إما بالديانة البابلية أو بالديانة النبطية. فتك الحيوانات هي الجمل والحصان والأسد والثور والحيوان البحري المسمى الدولفين والثعبان والوعل ، ولم تمثل الحيوانات الشائعة كالقطط والكلاب والبقرة والماعز والأسماك والطيور والسحالي، ومن الجدير بالاهتمام ان بعضاً من الحيوانات مثل الثعبان والوعل قد اقتربت أيضا بالهيلينية .

أن الدمى الفخارية من ثاج والتي تنتمي للمرحلة الأولى من صناعة الدمى والتي تم تأريخها في وجود الفخار الإغريقي الاتيكي لثلاثة قرون قبل الميلاد تشمل الدمى البشرية والجمل والأسد والثعبان ودمى الحيوان البحري المسمى بالدولفين، فإذا ما وافقنا على هذا التأريخ ، فإن هذا يعني أن هذه الدمى قد أنتجت عندما كانت جزيرة فيلكه واقعة تحت تأثير الديانة الهيلينية إذ لا يوجد موقع لحيوان الأسد والجمل والدولفين بالديانة الهيلينية. وهذا يدل دلالة واضحة على أن التأثير البابلي كان بثاج ومما يؤكد هذه الحقيقة دمية القس ذي السمات الآشورية - المثالية. وتشهد الدمى الأنثوية من المرحلة الأولى والتي تعتبر بدائية الشكل جدا أيضا على وجود بعض السمات البابلية المثالية كالمؤخرات الثقيلة والأرداف البارزة ووضعية الجلوس . وفي المرحلة الثانية بثاج، حيث الدمى أكثر تطويراً، فإن الأسلوب والتمثيل والزخرفة يبدي تأثيرا نبطيا، وبعض الدمى تمثل جبهة منتفخة، وأنف مفلطح ومحاجر عينين غائرة بعمق وحواجب بارزة وخدود مستديرة وفم مفتوح قليلاً وشفاه كاملة وذقن واضحة وكلها سمات نبطية مثالية والفارق الوحيد يتمثل في كون مثل هذه السمات منفذة بصورة جيدة على اللوحات الصخرية في البتراء وبالمواقع النبطية الأخرى، إلا أن تلك السمات تكون ممثلة بشكل بدائي على الفخار وفي غالبية الدمى النبطية تصنع الرقاب عن عمد بصورة طويلة غير معتادة وتدخل في الرؤوس، وقد استخدمت نفس هذه الطريق أيضا في ثاج لإنتاج دمى بشرية وحيوانية في العصر الحديث .

وترى سلالة  لثور عادة في الطريقة النبطية لعمل التماثيل من نوع الثيران الهندية السنامية أو الدرباني. وقد عثر على دميتين من ثاج تمثلان الثيران الهندية فقط . ولوحظ أن موقد حرق السيراميك الذي أكتشفه لاب سنة 1963م من سطح موقع ثاج يرتبط بالنبطيين أيضا . وكثيرا من مواقد الحرق من نوع متشابه قد عثر عليها بحفريات ثاج وهي تحمل نفس السمات والتي توضح أيضا التأثير النبطي على الفن الديني السيراميك، وبعض مميزات طريقة عمل التماثيل الدينية التي عثر بالفن التمثيلي للديانة البابلية، غالبة جدا بالفن النبطي بالبتراء وهي ممثلة بأشكال فخارية بثاج مثال ذلك الأشكال الذكرية التي تمثل الآلهة، والإلهات الأمهات بدون ثياب وفي أغلب الحالات يمسك بصدورهن تضفير وجدل الشعر بأسلوب معين والزخرفة بالكريات .... الخ .

 

 

النتائج والخلاصة

تتمثل أكثر الحقائق أهمية التي نتجت عن هذه الدراسة في أن كافة الأعمال الفخارية التي أنتجت بثاج ، كانت لأهداف دينية وليست مجرد ألعابا كما نص على ذلك الحفارون الأثريون ، ومن أسباب ذلك عدم إنتاج أعمال تضم الحيوانات الشائعة جداً، والتي عثر عليها عامة منفذة بالرسوم الصخرية في المملكة كالماعز والخراف والقطط والكلاب والثعالب والغزلان والسحالي وابن آوى .... الخ ، ولقد أنتجت الدمى لتصور إما إلهتهم أو الحيوانات والطيور المرتبطة بمعتقداتهم الدينية. وبعض الدمى قد نفذت أيضا كهبات ونذور مقدمة للآلهة طلبا للشفاء من الأمراض والعجز، والحيوانات التي تم تنفيذها كانت مرتبطة إما بالديانة البابلية أو النبطية. وقليل من الحيوانات والصور كالثور والثعبان والبومة كانت مرتبطة أيضا بالهلينية والدمى الفخارية بثاج من المرحلة الأولى من الإنتاج المؤرخ بالقرن الثالث قبل الميلاد والتي تمثل الصور الأنثوية في شكل إلهات أمهات وحيوانات كالجمل والأسد والثعبان والحيوان البحري ( الدولفين ) وهي بلا شك بابلية الأصل لأن هذه الدمى لا تبين التأثيرات الهيلينية التي بدأت على التو بجزيرة فيلكه ، ولم يكن البابليون قد اثروا بعد في المنطقة.وبالتالي فإن هذا يبين بوضوح أن التأثيرات البابلية كانت بالفعل هناك بثاج ، كما أن الدمية البشرية التي تمثل قسا من الديانة الآشورية/ النبطية الجديدة تؤكد أيضا هذه الحقيقة .

والنقطة الثانية المنبثقة من هذه الدراسة أن غالبية الدمى الأنثوية مصورة بدون ثياب ومزينة بالحلي ومظفرة بالشعر ، وغالبية تلك الدمى بها بعض العلامات الرمزية ، إما على بطونها وذلك بالمرحلة الأولى من التشكيل ، أو على المعدة في المرحلة الثانية من التشكيل . وتدل هذه السمات على أنها كانت تصوريرات للإلهات الأمهات رمز الخصوبة وبالتالي الرخاء في كل أوجه الحياة.

وقد  يدل عدد الدمى الأنثوية بالمقارنة بالدمى الذكرية على أن الأمهات الإناث كان لهن الغلبة والجزء الأكبر في المجتمع. أما الذكور فكانوا قلة فقط ويحتمل أن تكون تماثيلهم قد أنتجت كأزواج للآلهات.

وكانت النذور هي الجزء الرئيسي من حياتهم الدينية. ويبدو عادة وجود عادة دينية أخرى حيث كانت تقدم لأجزاء الجسم كالأذرع والسيقان للأشخاص المعاقين والمتوفين مصنوعة من الفخار كنذور لآلهتهم أملاً في التخلص بطبيعة الحال من تلك الأمراض . وغالبية دمى الإبل تحمل بصفة عامة نوعاً من العلامات إما على أفخاذها أو على رقابها. وتستخدم في الوقت الحالي أيضاً مثل تلك الأنواع من العلامات لتعليم الحيوانات بين القبائل البدوية، لبيان هوية الملك وهذه تعرف بالوشم .

تبدو الزخارف والزينة الموجودة بالدمى الأنثوية بوضوح على أن المجوهرات كانت شائعة جداً بين نساء القبائل ، إلا أن الرجال لم يكونوا مغرمين بالمجوهرات وهناك نمطين من أنماط الشعر كانت شائعة بين النساء ،النمط الأول : كان الشعر مظفراً في ثلاثة ظفائر كانت تطرح عادة على الظهر  وفي النمط الآخر : يظفر الشعر في ضفيرة واحدة سميكة من الشعر كانت تطرح في العادة على الكتف الأيمن ويلاحظ أيضاً وجود النمطين في الدمى البابلية والنبطية وكذلك في الفاو التي كانت معاصرة للمرحلة الأخيرة من ثاج .

إن الانتشار المحدود للدمى الفخارية بالمواقع الأثرية من المملكة يوضح أن عبادة الأوثان لم تكن من الممارسات الشائعة في هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية ويحتمل أن تكون قد أدخلت إلى المنطقة من خلال بعض الجهات الخارجية. ويبدو في البداية أن دينهم كان في الأصل شرقياً وقائماً على مبدأ تعدد الآلهة، ولم يكن ذا رمز ديني واضح وبالتالي فقد كان عرضة لقبول الطقوس والآلهة الجديدة من أية ديانة ، وكانت النتيجة أنه عندما أتت الموجه الهيلينية إليهم ، فإنهم تقبلوا بعض من الطقوس الهيلينية والممارسات الدينية وفي الفترة الأخيرة عندما بدأ تدفق الديانة النبطية ، فإنهم تقبلوا دون تبصر آلهتهم وبدءوا في صناعة  التماثيل وغيرها من الأشياء التي كانت شائعة جداً بين النبطيين ، ومن المحتمل أن تكون الممارسات الدينية الأخيرة أكثر ملائمة لأذواقهم لأنها كانت أيضا تنتمي للعرب الذي كان لدى أغلبهم لغة مشتركة وخلفيات اجتماعية وحضارية متقاربة .

وفي مجال صناعة الفخار، فيبدو أنهم كانوا على إلمام جيد بخواص السيراميك وبخاصة في المرحلة الثانية من الإنتاج وكانت غالبية الدمى محروقة جيداً على درجة حرارة مرتفعة تزيد عن 600درجة مئوية . وكانت أفران الحرق لديهم من النوع المفتوح وغالباً ما كانوا يستخدمون عملية الأكسدة حيث كانت دميتهم بشكل عام حمراء اللون بعكس اللون المميز لكربونات الكالسيوم ، التي كانت تستخدم عامة قبل عملية الحرق .وهذا دليل أيضا على أنه في المرحلة الأولى احتفظوا بقطعة من خبث الحديد مشابهة للدمى كتصوير طبيعية باقية لآلهتهم والحيوانات ذات العلاقة ، وهذا يعكس إخلاصهم واحترامهم لآلهتهم .

إن دراسة الدمى بشكل عام تبين أنه بالرغم من الفروق الظاهرة في الأساليب والترتيب الطبقي ، فإنها غالباً ما تمثل سمات شائعة ويعتقد أن كافة المراحل بثاج كانت تضم مجموعات خاصة ذات خلفيات اجتماعية حضارية ولغوية مشتركة وبالرغم من ذلك ، فقد كانت هناك بعض التأثيرات الخارجية من حين لآخر على فترات زمنية مختلفة ومن المحتمل أن يكون ذلك قد أستمر حتى اندثارهم في نهاية القرن الثالث بعد الميلاد .

 

انتهى .

تقارير وأبحاث علمية

رجوع

عناوين البحوث