|
قلعة
تاروت ( ألف سنة من الصمود والبطولات )
أ.
علي بن إبراهيم الدرورة
تعد الحصون والقلاع والمراقيب وحدة دفاع أساسية في كل مدينة
حتى بعد الحرب العالمية الأولى ، وكانت لها أهمية بالغة في الحفاظ على
الأمن ورد كيد المعتدين والغزاة .
وقد اندثرت معظم القلاع في مدن الخليج ولم يبق منها سوى
القليل الذي حافظ على طرازه المعماري مقاوماً عاديات الزمن ، ومن هذه
القلاع والحصون المنيفة قلعة تاروت التي شهدت حروباً طاحنة منذ تأسيسها في
القرن الرابع الهجري وخلال 1000 سنة شهدت حروبا ودولاً عديدة.
بين عامي 438 و 466 هجرية ، شهدت سواحل شرق الجزيرة العربية
صراعات دامية حيث اختلفت بنو ثعلب وبنو عقيل وأسسوا دولة على أنقاض دولة
القرامطة وظلت متوارثة في أعقاب الأصفر الثعلبي .
أما بنو عقيل فحين نزحوا إلى العراق استولوا على الكوفة
وأخضعوا لنفوذهم عدداً من البلدان الراقية إلا أن الأصغر الثعلبي طمع في
ملك بني عقيل بالعراق فسار إليهم وحاربهم برأس عين التمر واستولى على مناطق
نفوذهم وأخضع الجزيرة والموصل سنة 438هـ ، ولكنه اصطدم أخيراً بنصير الدولة
ابن مروان صاحب ميفارقين وديار بكر، فألب عليه الولاة من كل حدب وصوب فهزم
جموعه واعتقله ثم أطلقه حيث عاد أدراجه إلى شرق الجزيرة العربية الذي عرف
يوم ذاك ببلاد البحرين . ولبث بنو عقيل فترة من الزمن يسيطرون على الجزيرة
بالعراق حتى قامت الدولة السلجوقية في منتصف القرن الخامس فسيطرت على
الأراضي العراقية فتلاشى نفوذهم وغادروا العراق وتحولوا عنها إلى بلاد
البحرين مواطنهم الأولى فوجدوا دولة بني ثعلب قد أدركها الهرم فاستولوا
عليها. ولقد ذكر ابن خلدون أن دولة بني عقيل استمرت إلى أن ثأر بهم عبدالله
بن علي العيوني ، وأن بني ثعلب من جملة رعاياهم وأن حكام الأحساء سنة 651هـ
هم بنو عصفور من بني عقيل . وما أن انتصف القرن الخامس الهجري ( في حدود
سنة 466هـ ) حتى نشبت الثورات في أرجاء البحرين وبرزت الحركات الانفصالية،
حتى بسط أبو البهلول العوام بن محمد بن يوسف الزجاج نفوذه على جزيرة أوال
وسيطر يحيى بن العياش على القطيف . لقد استمرت الاضطرابات في بلاد البحرين
بسبب دهاء أبي البهلول بينما بقيت القطيف في هدوء لفترة محدودة ولكن في هذه
الفترة بدأ التخطيط على نار هادئة لقيام الدولة العيونية ، حيث بدأت حركة
عبدالله بن علي ضد القرامطة بعد أن تقلص نفوذهم وتفتت دولتهم وقد أصبح
سلطانهم لا يتعدى حدود الأحساء بينما كان للعيونيين قوة ومنعة ونفوذ حيث
ذكر أن بشر بن مفلح العيوني كان قائداً للجيش القرمطي الذي هاجم أوال بعد
ثورة أبي البهلول، فلما رأى عبدالله بن علي ضعف المتولين على البلاد بعد
القرامطة وتطاحنهم وفساد سياستهم وسوء تدبيرهم كتب إلى الخليفة العباسي
القائم بأمر الله ( أبي جعفر) والسلطان جلال الدولة أبي الفتح ملكشاه
بن السلطان ألب أرسلان ووزيره نظام الملك يطلب المساعدة على حرب من أسماهم
القرامطة وإنهاء نفوذهم ، فأمدوه بجيش عدده سبعة آلاف مقاتل تحت قيادة أكسك
سالار( أرتق ) التركماني المتوفى سنة 484هـ الذي توجه إلى الأحساء ماراً
بالبصرة ثم القطيف حيث هاجم ( ابن العياش) الذي هرب إلى جزيرة أوال فاحتل
القطيف وتوجه إلى الأحساء إلا أن سكانها عندما علموا بقدوم الجيش تحصنوا
داخل الأسوار فحاصرهم الجيش العباسي والعيونيون .
إلا أن الحصار طال أمده على سكان الأحساء فبعثوا إلى أكسك سالار بطلب الصلح
مقابل ما يدفعونه فقبل هذا العرض على أن يسلموا له عدداً من رجالهم رهائن
يقال أن عددهم ثلاثة عشر رجلاً إلا أن القرامطة استغلوا فترة الصلح لجمع
الأطعمة والسلاح والمؤونة لمواصلة القتال فنقضوا الصلح مما جعل القائد
السلجوقي يقتل الرهائن ويشد الحصار عليهم ولكن مدة الحصار طالت على الجيش
المحاصر الذي أصبح يعاني من حرارة الصيف والأوبئة وقلة الأطعمة، فشكا
لعبدالله بن علي متاعبه ومتاعب الجيش فقال دع معي مئتي جندي وعد إلى بلدك
فترك ذلك العدد من الجنود تحت إمرة أخيه (الكبوش) وانسحب القائد بجنوده صوب
العراق مما أطمع القرامطة في ذلك العدد الصغير واتفقوا مع القبائل البدوية
على مهاجمة عبدالله بن علي ، فخرجوا من حصونهم في الموعد المضروب وانضمت
إليهم قبائل بني عامر فاشتبكوا مع العيونيين في معركة ضاربة بين قرية
(العمران) وبحيرة الأصفر فيما يعرف بـ(الرحلين) فتمكن عبدالله من هزيمتهم
واحتلال حصونهم ، إلا أن العياش بعد انسحاب الجيش العباسي عاد إلى احتلال
القطيف وطمع في احتلال الأحساء فسار إليها حيث نزل بمكان يقال له ( ناظرة)
قرب قرية المقدام بمنطقة الكلابية فبرز له عبدالله بن علي بجيشه ودارت
معركة كانت الهزيمة فيها على ابن العياش الذي هرب إلى أوال فزحف عبدالله بن
علي إلى القطيف واحتلها وبعث جيشاً بقيادة ابنه الفضل بن عبدالله إلى أوال
، فاحتلها وهرب منها ابن العياش إلى العقير حيث التقى جيش العيونيين في
معركة قتل فيها ابن العياش ، وبعد أن تمت لعبدالله السيطرة على كل من
الأحساء والقطيف وأوال عاد أدراجه إلى الأحساء فقطع ما كان يدفع لشيوخ
القبائل من أموال أيام القرامطة وأجمعوا على حربه وفي مقدمتهم ( بنو عامر)
فأقبلوا إلى الأحساء يسوقون أمامهم الإبل التي ساقوها على الجيش العيوني
لدهسه إلا أن عبدالله بن علي استعمل الطبول والصاجات ففرت الإبل وهربت على
أعقابها وارتدت على أصحابها فتحقق له النصر والظفر .
وقد حاول البكوش ومن معه من الجند أن يفرض سيطرته على
عبدالله ابن علي وأن يمد نفوذه على البلاد فضاق به ذرعاً وقبض عليه وقد
أزعج مقتله السلاجقة فبعثوا جيشاً بقيادة (ركن الدين والدولة ) للقضاء على
عبدالله بن علي تحصن هو وأهل بيته ومؤيدوه فحاصرهم السلاجقة لمدة سنة فلما
طال عليهم الأمد اضطر أن ينزل لمقابلة الجيش ، فإما النصر وإما الموت
فاستمات هو ومن معه حتى من الله عليهم بالنصر. وفي رواية أخرى أن الشراكسة
سئموا من طول المقام فبعثوا إلى عبدالله بن علي بأنهم يرغبون في الرحيل
بشرط يسلمهم رهينة من أهل بيته حتى لا يهاجمهم بجيوشه في أثناء الانسحاب ،
فتردد في ذلك إلا أن ابنه علياً قدم نفسه رهينة على أن ينسحب الجيش ، ويفك
الحصار فأخذوه معهم إلى بلادهم فحبسوه واستبقوه لديهم، وأعطوه جارية
لخدمته، وكانت على درجة من الجمال فتزوجها وحملت منه وولدت غلاماً سماه (
جساسا) وقد احتال الأمير عبدالله في تخليص ابنه فبعث رجلاً يقال له عزيز بن
محفوظ ومعه مال كثير فاحتال حتى وصل إلى السجان وأغراه بالأموال وأغدق عليه
الهدايا حتى أفرج عن علي ، فسار إلى الأحساء ، أما الصغير جساس فقد بقي في
كرمان حتى كبر وجاء إلى الأحساء بعد أن أصبح (فارساً لا يشق له غبار).
العصر العيوني :
امتدت
ولاية الأمير العيوني عبدالله بن علي مدى ستين سنة منذ عام 466هـ حيث بدأ
حركته حتى وفاته عام 526هـ عن عمر يناهز مئة عام ، وكان يتميز بالكثير من
الصفات الحميدة، منها شجاعته وصموده أمام المؤامرات ووقوفه في وجه
الجيوش المتعاقبة وتوحيد البلاد وتأمين السبل وتشييد المساجد ، وإنشاء
المدارس لعلوم الدين واللغة ، وكانت أهم أعماله : القضاء على قوة ابن عياش
واحتلال القطيف، ثم احتلال جزيرة أوال بعد مقتل عياش ووزيره العكروت.
وقد طمع حاكم جزيرة قيس أبو كرزاز بن سعد بن
قيصر من الزنجيين الذين حكموا فارس في الإستيلاء على أوال، فزحف
إليها ، إلا أن عبدالله قابله بجيش قادة بنفسه فهزمه وأسر أخاه نام سار بن
سعد ثم عاد أدراجه ليواجه الطامعين من بني عامر الذين طمعوا في ملك الأحساء
بعد أن قطع عوائدهم وجراياتهم فقابل جموعهم وقاتلهم حتى قضى عليهم ولم ينج
منهم إلا أحمد بن مضر وأبو فراس بن الشياش في جماعة هربوا إلى العراق .
إن الأحداث الجسام التي مر بها عبدالله العيوني قبل أن يبدأ عصر العيونيين
به وكذلك الأحداث التي واجهها أثناء حكمه جعلت منه قائداً محنكاً حيث أمضى
ستين سنة وطد الحكم العيوني بقاعدة صلبة وهي التي جعلت من العيونيي يحكمون
فترة زمنية طويلة حتى سنة 636هـ ، وعلى ضوء تلك الأحداث والصراعات والحروب
التي مرت بها المنطقة بدأت التحصينات تتخذ في منطقة الأحساء |