|
سياسات البحوث المتحفية
مؤيد
سعيد ديمرجي
مقدمة :
إن فكرة إنشاء متحف
تبدو أساساً وكأنها فكرة أوروبية رافقت الاستعمار والإمبراطوريات الكبيرة ،
وكان من أهدافها نقل التحف الفنية المهمة وذات القيمة التاريخية إلى مراكز
الإمبراطوريات . يرافق هذه البداية الوفرة العالية من اللوحات الفنية ذات
الطابع الديني التي امتلأت بها الكنائس القديمة والأديرة والكاتدرائيات ،
ثم الرغبة الشخصية بامتلاك أعمال فنية مشابهة من قبل الأغنياء والتجار.
وكانت الخطوة التالية
هي محاولات التعرف على عادات الشعوب المستعمرة ، خاصة تلك ذات الحضارات
البدائية والبسيطة التي أدت إلى خلق علوم الاثنوغرافيا والانتثربولوجيا ،
وبالتالي إلى ظهور متاحف للأعراق والأجناس والأنثربولوجيا والإثنوغرافيا
ترتبط بشكل أو بآخر بمعاهد دراسات خاصة بها ، أو ببعثات تنقيبية أو
استكشافية ، أو بوكالات لشراء التحف والمواد الإثنية لنقلها إلى مراكز
الإمبراطوريات .
وعموماً فإن ظهور أية
حالة من هذا النوع في دولة واسعة في مساحات مستعمراتها مثل بريطانيا، كانت
ولا بد أن تؤدي إلى تقليد مشابه سريع من قبل دولة منافسة لها مثل فرنسا
وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا .
لقد رافق كل هذه
العمليات ذات التوجه إلى اكتناز الآثار والتحف والمواد الاثنية ونماذج
النباتات والحيوانات والحشرات إلى ظهور متاحف ذات أنواع مختلفة ، فلقد بدأت
الحدائق النباتية ذات البيوت الزجاجية العالية بالظهور والانتشار ، وكذلك
حدائق الحيوان ، ومتاحف التاريخ الطبيعي ، ومتاحف عادات الشعوب والمتاحف
التاريخية ، والمكتبات المليئة بالمخطوطات والألواح الحجرية والطينية
المكتوب بحروف وكتابات قديمة متعددة.
لقد جاءت عملية
الاختبار البطيئة لعلم ما يسمى بعلم المتاحف – إن وجد فعلاً – رداً على
الضرورة والحاجة، وليس بسبب تطبيقات نموذجية أساسية أراد الإنسان أن يحققها
فعلياً في مدينة ما .
لذا فإننا نرى المتاحف
تختلف باختلاف مواقعها وعمرها وتاريخ حصولها على معروضاتها ، ويؤثر هذا
فعلاً على أسلوب العرض والتوجه الحقيقي للاستفادة منها.
إن متاحفاً مثل اللوفر
ومتحف تورينو للمصريات مثلاً، لا زالت تعالي من تكديس الآثار بها بشكل يؤدي
حتماً إلى خلق متزايدة لدى الزائر ويؤدي إلى إجتهاد ذهني كامل لديه ولربما
يعود السبب إلى ضيق المكان ، حيث لم تعد المباني قادرة على استيعاب مجاميع
جديدة ، رغم عمليات التجميل المستمرة.
كما أن متاحقا أخرى ،
مثل المتحف البريطاني ومتحف المتروبوليتان في نيويورك أو المتحف الوطني في
جنيف ، تخصصت في عرض المجاميع النوعية . فهناك قاعات أشورية أو سومرية أو
مصرية قديمة أو إغريقية أو قاعات خاصة بالحلي النوعية، أو الساعات القديمة
أو الهدايا المكتبية أو المسكوكات، وهي كلها تعتمد على المجاميع التي حصل
عليها المتحف ، دون أي اعتبار للثغرات الحاصلة تاريخياً في التسلسل الزمني
لحضارة معينة .
بالرغم من وجود مراكز
أبحاث صغيرة أو كبيرة أو باحثين منفردين أو مجموعات تعمل في أروقة هذه
المتاحف وتنشر أعمالها ، إلا أنها في الحقيقة قد لا تعتمد على المواد
المتوفرة في قاعات العرض أو مخازنها فقط ، وإنما على المواد التي تصل إليها
نتيجة بعثات تنقيبية أو جهود خاصة أو نتيجة برامج للتعاون المشترك مع متاحف
أو معاهد أو دول أخرى كما يشكو البعض أحياناً من عدم توفر مواد جديدة لديهم
، إما بسبب قلة التخصيصات المالية السنوية ، أو فقدان الصلة بالمصادر التي
تمدهم بهذه المواد مما يدفعهم إلى التعامل مع تجار العاديات ومع المجاميع
الخاصة بالرغم من أن مصادر هذه المجاميع قد لا تكون غامضة بالنتيجة
النهائية ، وقد تكون مهربة فعلاً أثناء فترات الاستعمار أو بعدها من دولها
الأصلية .
ومن الظواهر المؤسفة التي ترافق عمليات
اكتناز للتحف هو ما نراه في وجود جزء من قطعة أثرية في متحف في بلد ما،
وجزء آخر من ذات القطعة في دولة أخرى ، وما نراه من محاولات اقتطاع أجزاء
من عمل فني تاريخي بغية تهريبه إلى الاسواق العالمية.
أما في دول العالم النامي ، فقد ظهرت
المتاحف بصورة متأخرة جداً ، وبدأت من نقطة تطور بعيدة في زمنها عن تاريخ
نشوء المتاحف في العالم المعاصر، وصارت المتاحف تعكس محاولتين اثنتين
الأولى: هي خلق هوية تاريخية لدولة حديثة،
بغض النظر عن الطبيعة الجيوبوليتكية لهذه الدولة، وعما اذا كانت تمثل
تاريخاً حضارياً كاملاً ومستمراً ، أم أنها كانت جزءاً من حضارة أو حضارات
أوسع جغرافياً من حدودها الفعلية، أو إذا ما كانت تحتوي على أجزاء من
حضارات متجاورة باعتبارها حالياً منطقة وسطية جغرافياً.
الثانية : أما المحاولة الثانية فتتمثل في
محاولة لجمع ما تبقى من تحف وآثار لم يتسنى إخراجها أو نقلها خارج أوطانها
الأصلية في عهود الاستعمار أو التخلف الثقافي . ويرافق هذا بالطبع أن هذه
المتاحف يمكنها أن تغني مجاميعها تدريجياً بمواد كثيرة إذا ما كانت تسعى
للبحث عنها بصورة أو بأخرى من خلال التنقيبات الأثرية أو الشراء من
المواطنين أو أيه طريقة وطنية أخرى . كما أن هذه المتاحف تمتاز عموماً
بكونها ، إما متاحف بسيطة تتساوى وسائلها العلمية في العرض والمباني التي
تحتويها مع القدرات الاقتصادية لتلك الدولة ، أو أنها متاحف ممتازة وكبيرة
وذات أهداف ونظم علمية وفنية ومتقنة، بسيي ثراء الدولة الفتية ، أو بسبب
توفر طبقة من العلماء والمثقفين لهم اهتمام كامل في هذا الموضوع ويسعون إلى
البحث عن خطوات تطويرية مستمرة . لكن الملاحظ أن الدول النامية ذات المتاحف
العريقة نسبياً تكون متاحفها قد أنشئت ، إما في عهود الاستعمار السابقة ،
أو بعدها مباشرة ، وأن مستشاريها وخبرائها الأوائل كانوا من الأجانب
المتوفرين في المنطقة آنذاك، ومن ذوي العلاقة السياسية أو الاقتصادية بها.
لذلك فإن الكثير من هذه المتاحف قد افتقدت
في البداية إلى النظرة الوطنية الواضحة لأهداف إنشاء وإدامة المتحف وتشغيله
وعموماً فإن المتاحف ارتبطت ، إما بالرغبة السياسية لدى الحكام بإنشاء
متاحف توثيقية لمراحل تاريخية جهادية أو نضالية أو شخصية، أو بسبب وجود
حركة علمية تقودها إدارات متخصصة أو جامعات حديثة شابة، أو نتيجة لتوفر
عناصر نشيطة في الحركة الفنية التشكيلية في البلد، أو بسبب توفر مجاميع
خاصة في المراكز الدينية، من هدايا ونذور وتحف ومخطوطات ، مما يسهل إقامة
متاحف لها .
السياسات المطلوبة للبحوث المتحفية
-
تعتمد عملية البحث عن السياسة المتحفية
إلى معرفة الدرجة التي وصل إليها المتحف المعني:
-
هل هو متحف قائم فعلاً ويحتاج إلى
تطوير؟
-
هل هو مجرد فكرة، وهناك طلب لدراسة
جدوى فنية؟
-
هل هو متحف متخصص جداً؟
-
هل هو متحف عام يضم مجاميعاً
متسلسلة تاريخياً أم مجاميع متكررة؟
-
كما أن السياسات المطلوبة تتحدد في
الهدف الرئيسي للمتحف
-
هل هو ذو أبعاد تربوية صرفة؟
-
هل هو ذو طابع ثقافي عام ؟
-
هل سيعتني المتحف بإبراز وجهة نظر،
أم يؤرخ مرحلة مهمة من تاريخ البلد أو المدينة أو الحرفة ؟
-
وبالطبع فإن الجهة التي تنشئ متحفا
معنيا هي جهة لها أفكارها المسبقة وآراؤها العامة
-
وبالتالي فإن وضع تصور للمتحف يعني
تطبيق نظريات تؤمن بها الجهة تلك.
-
وما عدا ذلك ، فإن الأهداف العامة وتلك
الخاصة التي تتحرك أمام مخيلة القائمين على تنفيذ هذه المتاحف
وتشغيلها، إنما تبقى تمثل جزءاً واحداً مهماً من أجزاء عدة متصلة
ببعضها ، وتحتاج إلى توضيح مسبق ، وهي نظري ضمن الإجابات على الأسئلة
التالية :
-
هل سيبقى المتحف قاعات للعرض
المدعمة بوسائل إيضاح إضافية ؟
-
أم هل سيكون المتحف مؤسسة أبحاث
علمية أو جزءا منها ؟
-
أم سيكون مؤسسة تدريبية؟
-
هل سيحتوي المتحف على مراكز بحوث
ومختبرات ترميم ومعالجة ؟
-
هل سيعتمد على النسخ الأثرية أو
الفنية أو الاثنوغرافية أو على القطع الأصلية؟
-
إن هذه الأسئلة ذات علاقة بطبيعة
بمستوى الثقافة التاريخية والمتحفية في بلد ما ، وذات علاقة بحاجات
أساسية مطلوبة ولا شك، فإن كان البلد لا يحتوي على مختبرات معالجة
وترميم متحفية، كانت المواد المتحفية المؤمل استخدامها أو العثور
عليها من خلال الاقتناء أو التنقيبات العلمية غزيرة، فإن الحاجة
إلى المختبرات تصبح هدفاً أساسياً، وكذلك إذا كان البلد الغزير
بالآثار والوثائق يفتقد إلى متحف وطني ، فإن الحاجة إليه تصبح
واضحة فعلاً .
لا تختلف الأهداف في أطار العام كثيراً عن
بعضها البعض ما دامت الحاجات تتشابه في هذه المدينة أو تلك ، أو هذه الدولة
أو تلك ، إلا أن التفاصيل تتحدد بطبيعة التعامل مع هذه الحاجات من مكان إلى
آخر ، بمعنى آخر فإن ما يصح كهدف وكسياسات ف ي بلد صناعي متطور لا يصلح
لبلد نام ، وما يصح في هذه المدينة لا يصلح لغيرها .
-
إن نوعية الزوار المطلوبين للمتحف تحدد
الهدف أيضاً ، فإذا كان البلد سياحياً ، فإن ما يحتاج إليه السواح
عموماً من معلومات سريعة ونشرات وصور ورقائق شفافة وقطع مستنسخة
وبطاقات بريدية تصبح جزءاً مهماً من الأهداف التطبيقية المرسومة للمتحف
، لأنها ذات مردود اقتصادي وثقافي وإعلامي، وقد تحفز على الدعاية الغير
مباشرة لذات البلد أو تلك المدينة. أما إذا كانت المجاميع الزائرة هي
من أبناء البلد عموماً فإن ما يحتاجون إليه سيكون ذو قيمة وطنية أعلى
ولا شك ، وبالتالي ذو تفاصيل أكثر تقريباً لذهنية الزائر المحلي الخاصة
وثقافته الوطنية ، كما أن العروض المتحفية ستكون أكثر اتصالاً بمبدأ
تعزيز الهوية الوطنية للبلد ، ويختلف الموقف حتماً عندما يكون الزوار
من طلبة المدارس، أو من الباحثين في شؤون الفن أو التاريخ أو الحضارات
أو عادات الشعوب، إن كلاً من هذه المجاميع تحتاج إلى ما يلبي رغبتها من
إجابات على أسئلة تحتاج إلى طرحها لأسباب تعليمية أو بحثية .
-
وهنا تصبح لوسائل العرض دوراً
كبيراً في اختيار لغة التخاطب المباشر مع الزائر، فالزائر يحتاج إلى
لغة أكثر اتساعاً وفاعلية وعمقاً إذا ما زار متحفاً متخصصاً أو صغيراً
بمساحته، وذلك لتعويض الفرق الناشئ بين رغبة الزائر بالوصول إلى معرفة
ثقافية معينة، وبين ما يمكن أن يقدمه المتحف من عدد محدود من
المعروضات، فيلجأ المتحف إلى اختيارات وتدابير متعددة لإبراز الخبر
التاريخي أو الفني المطلوب إيصاله إلى الزائر.
-
أما المتحف إذا كان كبيرا جدا أو متحفا
مركزياً، فإنه يهتم ولا شك بخلق تدابير وتقنيات أقل قوة في أساليب
العرض، ويهتم بإيجاد معايير فكرية للتوفيق بين القطع المعروضة الكثيرة
العدد، والتي قد تتعب الزائر ذهنياً ما لم تعرض بأسلوب أقرب إلى فكرة
اليومي المتعامل مع المادية المحسوسة في الحياة.
كيف تحدد سياسة متحف معين وبطريق إدارية؟
المقصود بهذا السؤال هو من الذي يضع
السياسات بأسلوب عملي؟ وعموماً فإن الجواب على الجزء الأول من السؤال ينقسم
إلى قسمين: فالذي يحدد السياسة المتحفية هو صاحب المتحف أولاً، مهما كانت
صفته ، ويساعده في ذلك جامعو البيانات والمعلومات المتعلقة بكافة الشروط
العامة والخاصة المحيطة بمثل هذا المتحف ، ويقوم المنفذون عادة بوضع
التطبيقات المطلوبة لهذا الغرض، ثم يحولونها إلى خطوات تنفيذية ذات أبعاد
تنظيمية إدارياً وعلمياً وبالتالي فنياً.
أما الإجابة على الجزء الثاني من السؤال ،
وهو كيفية تحديد هذه السياسات، فإنني أعتقد أنه لا بد وأن تكون هناك دراسة
جدوى فنية لا اقتصادية وإن كانت غير منعزلة عن دراسة جدوى اقتصادية
وتخمينات مالية مطلوبة للتنفيذ . وتتحدد كافة التفاصيل هذه الدراسة من خلال
قاعدة معلومات أساسية مطلوب إنشاؤها لهذا الغرض ، ويسعى الباحثون عندئذ
لفحص كافة البيانات الواردة وتقييمها عملياً وبأسلوب واقعي ، بالإضافة إلى
التوقعات المستقبلية المطلوبة لتطوير أجزاء معينة من الأهداف والسياسات أو
لإغناءها أو التركيز عليها، مع التبريرات والمسببات الواضحة لذلك . وعموماً
فإن أشكال البحوث المتوقعة والمتآلف عليها في المتاحف النموذجية هي
التالية:
-
بحوث دراسة الجدوى الفنية.
-
بحوث دراسة الجدوى الاقتصادية.
-
بحوث في أساليب العرض المتحفي
المطلوب .
-
بحوث في التصاميم الهندسية
الداخلية المرفقة.
-
بحوث في التربية وعلم النفس الموجه
( نحو فئة معينة من الجمهور الزائر).
-
بحوث في مجالات الترويج الاقتصادي
السياحي والتربوي الإعلامي .
-
بحوث في المعالجة الأثرية وترميم
القطع الأثرية.
-
بحوث لتقارير نهائية تتعلق بأنشطة
آثارية و تنقيبية يعتمدها المتحف في أعماله.
-
بحوث تاريخية - فنية ترتبط بأنواع
المعروضات والمجاميع المتخصصة مثل المعادن ، الحلي ، العاج ....الخ
.
-
بحوث مقارنة تاريخياً أو جغرافياً
أو علمياً بأعمال فنية في متاحف أو دول أخرى.
-
بحوث ودراسات علمية صرفة لعلوم
تتقاطع مع الآثار والفنون بشكل عام ، مثل الكيمياء والفيزياء
والجيولوجيا والصيانة الأثرية وغيرها ، والتي تهدف إلى استخدام هذه
العلوم في مجال الآثار والفن والتاريخ الطبيعي .
-
بحوث في مجال التوثيق المتحفي
والتصوير الفوتوغرافي والرسم الفني ، وهناك ولا شك أنواع عدة أخرى
من البحوث تحتاج المتاحف إلى اختيار ما تحتاجه أو يلائمها منها،
إلا إنها عموماً تعتمد على خطة موضوعة من قبل إدارة المتحف بشكل
أساسي ، فهناك دراسات تسبق إنشاء المتحف المعين وأخرى ترافق إنشاء
أو إعادة عرض معروضاته بين فترة وأخرى ، وهناك بحوث تبقى مستمرة
وقائمة ما دامت هناك حاجة إليها، وخاصة في مجالات الصيانة والترميم
والدراسات الفنية والأثرية وغيرها ..الخ .
وفي النهاية فإنني أعتقد أن البحوث
المطلوبة في الدول النامية لأغراض متاحفها إنما تعتمد على حاجة إضافية
وإمكانيات تقنية عالية لا تتوفر في البلد أو المتحف ، أو تحتاج إلى
تدريب مشغلين فنيين خارج البلد نفسه .
|