|
خلال رحلة لي على مسار طريق الحج الشامي بين تبوك
والمدينة المنورة ، تمكنت من العثور على طريق تاريخي قديم ، يبدو أنه طريق
التجارة العربية الرئيسي الذي كان يربط بين الحجر ( مدائن صالح ) والبتراء
مروراً بتبوك ، وهذا الطريق لم تطأه قدم باحث من قبل ، ذلك أن الرحالة
الأوروبيين وعلماء النقوش والباحثين الذين زاروا المنطقة الشمالية الغربية
من المملكة ، وأجروا دراسات أثرية فيها ، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر ،
وطول القرن العشرين ، كانوا جميعاً يعتقدون بأن مسار طريق التجارة العربية
القديم ، الذي يربط بين الحجر والبتراء ، وباقي المواقع الحضارية في بلاد
الشام ، هو مسار طريق الحج الشامي المعروف الذي مدت عليه في بداية القرن
العشرين سكة حديد الحجاز . وقد سرت أنا شخصياً على هذا الرأي عشرين عاماً ،
إلا أنني وخلال رحلتي الأخيرة للطريق، وهي السادسة منذ أن بدأت دراساتي
الميدانية لطريق الحج الشامي ، فطنت إلى ظاهرة لم ألتفت إليها من قبل ، وهي
وجود النقوش النبطية بكثافة على جزء الطريق القريب من الحجر ، ثم انعدامها
تقريباً على بقية أجزاء طريق الحج الشامي الواقعة بين الحجر وتبوك، وقد
تولدت لدي نتيجة لذلك فرضية باحتمال وجود طريق آخر غير طريق الحج الشامي
كانت تسير عليه قوافل التجارة العربية قبل الإسلام ، وأخذت أبحث عن
المكان الذي يمكن أن يبدأ منه هذا الطريق بعد الحجر ، واستفدت في ذلك من
معرفتي السابقة بجغرافية المنطقة ، وطبوغرافيتها التي تكونت من زياراتي
المتكررة لها فبدأت بتحديد نقطة محتملة لبداية الطريق الجديد ، وقمت بفحص
ذلك على الطبيعة ، فجاءت النتيجة غبر متوقعة ، حيث أهلت علي نقوش النبطية
واللحيانية وغيرها من أنواع النقوش بغزارة وتتابع ثم عمدت إلى جمع معلومات
من بادية المنطقة ساعدت في الاهتداء إلى كامل مسار الطريق ، ويعتبر العثور
على هذا الطريق إكتشاف أثري غير مسبوق .
وتنبع أهمية هذا الاكتشاف فيما يلي:
-
وجود كمية كبيرة من النقوش العربية القديمة يزيد عددها
على ثلاثمائة نقش لم يطلع عليها باحث من قبل نفذت بالقلم النبطي
واللحياني والمسند وغير ذلك ، وأكثرها نقوش نبطية أحسب أنها سوف تغير
كثيرا من معرفتنا عن تاريخ المنطقة في العصور السابقة للإسلام
وبالكتابات النبطية على وجه الخصوص .
-
وجود معبد نبطي في منتصف الطريق يبدو أنه كان محجاً
لأصحاب القوافل ، إذ تحيط بهذا المعبد جبال وتكوينات صخرية رشقت صخورها
بالنقوش النبطية ، وبأعداد غير عادية ، بحيث يمكن اعتبارها أكبر تجمع
للنقوش النبطية يكشف في مكان واحد . والمعبد متهدم وقد جرفت السيول
معجم جدرانه إلا أن أحجار البناء التي تحمل نقوش نبطية تتناثر حوله
بشكل ملفت للنظر .
-
وجود عدد كبير من المحارس وأبراج المراقبة في محطات
الطريق وعلى طول مساره وأكثرها مبنى بالحجر
-
وجود بوابة في منتصف الطريق محددة بأكتاف مبنية بالحجر
عليها نقوش نبطية ، وقد تكون هذه البوابة نقطة جمارك على الطريق .
-
وجود قبور نبطية في منازل الطريق بعضها عليه شواهد قبور
مكتوبة بالخط النبطي .
-
وجود عقبة على الطريق فيها آثار تمهيد ، وتكثر في
منطقتها النقوش النبطية .
مسار درب البكرة :
يفترق مسار درب البكرة عن مسار طريق الحج الشامي ابتداء
من محطة خشم صنعا (100 كم شمال الحجر) ، ويتجه باتجاه الغرب ويسير في مسار
سهل وواضح مروراً بحرة عويرض حتى يصل إلى وادي رويشدة ، الذي يسير فيه
الطريق باتجاه الشمال الغربي حتى يصل إلى شعيب الأتقة وهو على بعد 40كم
تقريباً من خصم صنعا ، وهنا يدخل الطريق في حرة الرهاة ، ويتفرع منه فرع
يتجه جنوباً بغرب باتجاه أبو راكة ، أما الطريق الرئيسي فيستمر شمالاً حتى
يصل بعد ثلاثة كيلومترات من شعيب الأتقة إلى منطقة أم جدايد ، حيث يوجد
أكبر تجمع للنقوش النبطية، وحيث يوجد المعبد النبطي ، في بطن واد يسمى وادي
الرويشد. وفي وادي الرويشد ، وعلى بعد 3 كم من المعبد يوجد بيت أبو زيد وهو
بناء كبير تظهر أساساته على وجه الأرض ، ويزيد طول أضلاعه على ثلاثين متراً
، وهذا البناء قد يكون خاناً للقوافل، أو خلاف ذلك ، وعلى بعد كيلومترين
منه يوجد مفشق الناقة، وهو عبارة عن بوابة منصوبة على مسار الطريق، محددة
بكتفين مبنيين من الحجارة لابد أن يمر عبرها السائر على الطريق . وقد تكون
هذه البوابة نقطة تحصيل جمارك أو نقطة حدود قبلية أو خلاف ذلك، وعلى أحجار
هذه البوابة نفذت نقوش بعضها بالخط الثمودي وبعضها الآخر بالخط النبطي كما
توجد بها كتابة كوفية . وتقع هذه البوابة في أعلى ممر جبلي يختصر الطريق ،
حيث أن وادي الرويشد يلتف بانحناءة كبيرة غرباً ، ويبتعد عن المسار ثم يعود
مرة أخرى ليلتقي بالطريق على بعد 3 كم من مفشق الناقة ، وفي مكان التقائه
بالطريق يوجد مرصد مبني بالحجارة على شكل برج دائري مكون من ثلاثة جدران
مستديرة ومتتالية ، قطرها 7 أمتار وارتفاع ما تبقى من مداميكها ثلاثة أمتار
، وتحيط بهذا البرج من جهة الغرب دكة أخرى مستديرة ترتفع ارتفاعاً بسيطاً
عن سطح الأرض ، ويبلغ قطرها 17م،
وبعد هذا البرج
ينزل الطريق عبر نقيب ( ممر ضيق ) إلى وادي يسمى الراشدة ، وفي هذا الوادي
يمر على غدير أو أبوحلفا ، وهو ممسك طبيعي للمياه، ينمو فيه نبات الحلفا،
وتجاوزه واجهات صخرية عليها نقوش وكتابات نبطية ورسوم صخرية. وبعد غدير أبو
الحلفا يسير ثمانية كيلومترات في بطن وادي الراشدة ثم يصل إلى وادي الأخضر،
حيث يعبره في مكان يسمى مفشق شقرا وفي هذا المكان تتوافر أيضا النقوش
النبطية على الصخور الجرانيتية التي تبرز في بطن الوادي . وعلى جنباته ،
وبعد هذا المكان يستمر مسار الطريق في وادي الأخضر قرابة كيلومترين ، ثم
يصعد بعدها من الوادي ويسير على أرض صخرية مستوية، ويقطع عدداً من الأودية
والشعاب أهمها عميرين، والحزيم، وميسورة،والزرداب، والردين، وبهذا الأخير
توجد مجموعة قبور على أحدها شاهد قبر نبطي مؤرخ. وبعد شعيب الزرداب
بكيلومترين يصل الطريق إلى رأس نقيب البكرة ، بعد أن يكون قد قطع مسافة
26كليومتراً من الوداي الأخضر ، ونقيب البكرة عبارة عن منزل شديد الانحدار
وممر جبلي متعرج يمتد قرابة نصف كيلومتر تقريباً ، وفي بداية هذا النقيب
وفي نهايته توجد مجموعات كثيرة من النقوش النبطية واللحيانية ، وأخرى كوفية
يبدو أنها كتبت بيد السكان المحليين ، وبعضها مؤرخ بالقرن الثاني الهجري ،
وبعد هذا النقيب يسير الطريق في سهل واسع محفوف بتكوينات جبلية متوسطة
الارتفاع من الجانبين حتى يصل إلى خشم برك، بعد مسيرة 20 كيلومتر تقريباً ،
ثم يتسع الطريق ويدخل في قاع تبوك الواسع ، ويسير باتجاه الشمال الغربي إلى
أن يصل رجوم شوهر نحواً من مائتين وخمسين كيلاً. وتعتبر رجوم شوهر محطة
الطريق الرئيسية في قاع تبوك ، وقد أثار هذا الموقع دوماً تساؤلات عند بعض
الرحالة الأوروبيين الذين وقفوا عليه ، نظراً لاحتوائه على مبان حجرية،
ومقابر، ورجوم، ووجود كسر فخارية على سطحه ، ووجوده في الوقت نفسه مجانباً
لمسار طريق الحج ، الذي كان يظن بأنه الطريق الوحيد الذي يمر بالمنطقة .
ويحتمل أن رجوم شوهر كانت موقع الاستيطان الرئيسي بقاع تبوك خلال فترة
استخدام طريق البكرة ، وأن موقع تبوك الحالي كان مجرد منهل ماء متقدم
شمالاً وبعيدا عن مسار درب البكرة، ويبدو أن طريق التجارة القديم لا يستمر
شمالاً بعد رجوم شوهر كما يفعل طريق الحج ، بل يميل بإتجاه الغرب ويطأ طرف
هضبة حسمى، ثم يصل إلى منطقة وادي موسى، حيث
توجد البتراء وقد أثبتت الكتابات التي دونها بعض الرحالة الذين زاروا هضبة
حسمى أمثال عبدالله فلبي، ونتائج المسوحات الأثرية ، وجود أعداد كثيرة من
مواقع المستوطنات الأثرية ومواقع النقوش على مسارات الدروب في هذه الهضبة
جعلت البعض لكثرتها يصف حسمى بأنها مكتبة العرب، غير أن مواقع هذه
المستوطنات والنقوش لم تدرس على خلفية كونها منازل على طرق مواصلات قديمة.
أما مسار الطريق المتجه من رجوم
شوهر إلى البتراء فإنه يسير في منطقة منبسطة وسهلة التضاريس ويمر على ستة
منازل رئيسية ، بعد رجوم شوهر هي على الترتيب : عيون رايس ثم الوضام وهو
مقيل طبيعي، ثم المحيبل وهو موقع مستوطنة قديمة ، ثم قرية وهو موقع أثري
معروف عثر به على آثار مدينية ونبطية ، ثم الصياني وهو موقع مهم عثر على
سطحه على عدد من تماثيل المعبودات القديمة ، وبعد الصياني
يدخل مسار الطريق إلى الأراضي الأردنية فيمر على منزل الديسة ثم يصل إلى
وادي موسى حيث توجد البتراء حتى يلتقي بوادي الرويشد. وهذا المسار قد يوجد
إلى الغرب من مسار طريق الحج الشامي غير أن التأكد من ذلك يحتاج إلى زيارة
أخرى للمنطقة . بقي أن نشير إلى أن هذا الطريق سمي بدرب البكرة بسبب قصة
تروى عند سكان المنطقة مفادها أن بكرة (ناقة) سرت ليلاً من مراحها وقطعت
مسافة طويلة على الطريق ، ولما افتقدها أهلها ساروا في أثرها ، ووجدوها في
مفشق الناقة ( البوابة التي توجد في منتصف الطريق ، والتي سبقت الإشارة
إليها) وقد قفزت بين طرفي البوابة ، ولم تنجح فماتت بين كتفي البوابة.
وبسبب هذه الحادثة سمي المكان مفشق الناقة وسمي الطريق بدرب البكرة . وقد
تكون القصة غير حقيقية إلا أنها تعطي اسماً جميلاً ومميزاً لهذا الطريق .
ومن جانب آخر فإنني أتوقع وجود
مسار خاص بطريق البكرة في بدايته عند الحجر يسير مباشرة من جوبة الحجر إلى
حرة عويرض، ثم يسير في الحرة .
|