الآثار بين عوادي الزمن وإهمال البشر

 

للأستاذ الدكتور / عبدالرحمن الطيب الأنصاري

إذا كان الأدب شعراً ونثراً وغيرهما من الإنتاج الفكري والفني للإنسان حصيلة جهد بشري على مدى حقب طويلة ضاربة في أعماق الزمن فإن الحياة المادية للإنسان تعد أهم الوثائق التي ترصد حركته ، ونموه ، وتقدمه ، وارتباطه بالإرض أو ارتحاله منها ، وعلاقته بالطبيعة بكل مكوناتها ومدى استفادته منها ، وبحثه عن ذاته وممارسته لعبادته موحداً كان أو وثنياً.

لقد ترك الإنسان كل هذه الحصيلة المادية والفكرية والفنية المتراكمه على مر العصور شاهداً على نشاطه أو تراخيه ، وعلى نجاحه أو فشله ، وعلى عدوانه أو سلمه ، وعلى معصيته أو تقواه.

ومن هنا كلا علم الآثار وسيلة علمية لفحص هذا الرصيد الإنساني كتابتاً ولغةً وفناً وعمارةً وزراعة وتجارة ، وعلاقة إجتماعية واستقراراً وارتحالاً ودياناةً موحدةً أو شركاً وكفراً ؛ ولكن هذا الرصيد الإنساني الضخم يتعرض لآفات العصور وهي تتولى وتتعاقب ، ولعل أهم هذه الآفات هي الإنسان نفسه؛ فلننظر كيف يسهم الإنسان في طمس رصيده الحضاري بل ويبعده عن هذا الرصيد دون مبالاة أو تدبر.

دعونا نسأل أنفسنا سؤالاً واضحاً ومحدداً؛ ماهي مشكلة الآثار في بلادنا ؛ بل وفي العالم العربي ؟ كيف ننظر نحن العرب إلى الآثار ؟ إنني أشعر أن الآثار تعيش في غربة في بلادنا وفي العالم العربي ، لماذا ؟ دعونا ننظر إلى المشكلة من ناحيتين أو موقفين: الموقف الأول هو النظرة الدينية أو العقدية إلى الآثار ، كيف ننظر إلى الآثار كمسلمين ؟ أما الموقف الثاني فمن هو الذي بدأ الإهتمام بالآثار ؟ .

المشكلة أن بعض الناس يخافون من أن الآثار سوف تعود بالمجتمع إلى الوثنية وبالتالي يجب عدم الإهتمام بها إلى جانب أنها سوف تشدنا إلى الماضي في حين أننا يجب أن ننظر إلى المستقبل ، خاصة ونحن نعيش عصر التكنلوجيا والإنترنت ، والإسلام يدفعنا إلى العمل التقدم  لأننا خلفاء الله في أرضه .

إن القرآن الكريم يتحدث عن الأمم الغابرة وعما خلفوه وعن نشاطهم الإقتصادي والزراعي وبطشهم وقوتهم وقطعهم للصخور وبنائهم عجائب العمران، ويأمرنا بأن نسير في الأرض فننظر كيف عمروها أشد وأقوى مما عمرنا ، ثم كيف كانت عاقبتهم .

آيات كثير تزيد على العشرين آيه تحثنا على النظر في الماضي ، لا لتفاخر والتباهي به ولكن للعظة والإعتبار ولنا أن نتساءل كيف لنا أن نتعض ونعتبر ونحن لا نجد على سطح الأرض إلا النزر اليسير من هذه المعارف والمعالم التي يتحدث عنها القرآن؟.

إذاً لا بد لنا أن ننقب ونسبر أغوار الأرض لكي نكشف عن عجائب الماضي في كل أنحاء الشرق الأدنى ، فلولا التنقيبات الأثرية ما عرفنا ما توصلنا إلى عن الحضارة الفرعونية بكل فنونها وعمارتها وثرائها المعرفي ومن ثم إنحرافها عن جادة الحق واضمحلالها ، لو أن واحداً منا عاش في عصر الفراعنة لما تخيل أن هذه القوة التي يمثلها فرعون الذي استخف قومه فأطاعوه سوف تضمحل ، ولكن الله عز وجل جعل لكل زمان آيه بل آيات نتعض بها ، وآية زمننا هذا هو سقوط الاتحاد السوفيتي الذي وصل بتقدمه التكنلوجي إلى القمر ثم إذا به يضمحل ويذوب كما يذوب الملح في الماء وكأن لم يكن شيئاً مذكوراً . وقبل ذلك سقطت حضارات بابل وآشور وحضارة أوجاريت واليونان والفرس والروم وسبأ وكنده والمناذرة والغساسنة .

لقد حدثتنا الكتب السماوية وفي مقدمتها لا القرآن الكريم والكتب الكلاسيكية عن هذه الأمم ولكن معاول الآثاريين أزاحت عن بقايا هذه الأمم تراكمات الزمن ، فأصبحنا نرى رأي العين كيف كانوا حضارات سادت ثم اندثرت .إذا فعلم الآثار هو الوسيلة الوحيد لأن يصدق الخبر الخبر .

أما الموقف الثاني الثاني فهو علاقة الإنسان بالآثار، هل هي من منجزاته وهل له دور فيها ؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب فلما لا نحافظ عليها لنعرف حسناتها وسيئاتها ولنعرف إيجابياتها وسلبياتها ؟ 

ذلك لأن الآثار هي منجز إنساني ومصدر أساسي لكتابة التاريخ . ولنا أن نتساءل أيضاً عن حاضرنا ومستقبلنا؟ إنني على يقين أننا كأمة عرباً ومسلمين شاركنا بقدر وافر في المنجزات الحضارية التي نعيشها فهي لم تأت من فراغ بل نتاج تراكم حضاري تناقلته الأمم جيلاً بعد جيل وأمة بعد أمة حتى وصلت إلى ماهي عليه الآن كل فرد شارك بقدر في هذه الحضارة ، آباؤنا وأجدادنا حضارتنا العربية والإسلامية عباقرتنا كل هؤلاء وأولئك أسهموا بحظ وافر في توصل إليه الغرب في الوقت الحاضر ، ولا نزال نشاهد الكثير من علمائنا من العرب والمسلمين ينتشرون في دور العلم ومؤسسات البحث العلمي الكبرى في أوروبا وأمريكا وفي العالم العربي والإسلامي يشاركون في تنمية الحضارة العالمية وتقدمها ولا أدل على ذلك من الجوائز العالمية التي يحوزها كثير منهم .

إذن فنحن نشارك بقوة في هذه الحضارة ويشفع لنا أننا نشارك وخلفنا رصيد من التجارب الإنسانية التي مرت بأمتنا منذ ألاف السنين وهذا يعكس من يشارك وهو خالي الوفاض من مكنوز حضاري مركز. ولعل مما يجعل العلاقة غير إيجابية بين بعض المواطنين والآثار هو أن الآثار بدأ الاهتمام بها على أيدي الغربيين في العالم العربي فقد جاء الاستعمار وكانت الآثار وسيلته أو مظلته في تاريخ هذه الشعوب فعن طريق الآثار يستطيعون أن يتعرفوا على روابطنا وأخبارنا وعاداتنا وتقاليدنا ونسيجنا السكاني ومن ثم يبدون سياستهم وسلوكهم معنا بناء على المعطيات التي اكتسبوها من خلال معايشتهم لنا ومن خلال تراثنا . وارتباط الآثار بالغربيين والسياح جعل العربي يبتعد عنها باعتبارها لها صلة بالآخر وكذلك لأنها ارتبطت بالفنون الغنائية والأوبرالية في مصر والأردن وسوريا والعراق ويحضر هذه الحفلات كبار المهتمين من الغرب ، فما صلة العربي المسلم المحافظ بكل هذا ؟

من هنا جاءت غربة الآثار في الوطن العربي حتى أن المواطن عندما يسافر إلى الخارج لا يزور متاحف الدول التي يزورها باعتبارها من الاهتمامات الغربية من ناحية وللعامل الديني والعقدي في بعض الحالات . وعلى الرغم من أن العربي هو صانع التاريخ إلا أن الجيل الحديث يكره استعادة هذا التاريخ ولعل حياتنا المعاصرة والانبهار بالمنجزات الحديثة قصرت به عن أن يفكر بعمق ويستلهم الإيجابيات في تاريخنا ليكون دافعاً قوياً .

 

سؤال آخر ما الذي تعانيه الآثار في حياتنا المعاصرة؟ هناك أسباب كثيرة لمعاناتها وتدهورها .

أ- الآثار والطبيعة:

1- الأنهار: تعد الأنهار من أكثر الأشياء التي تقضي على الآثار بالهدم بل الإغراق والطمس، فلو نظرنا إلى نهر دجلة لوجدنا أنه غطى بالطمي حضارات كثيرة ومدناً بأكملها وقد تغير مجرى النهر أكثر من مرة إذ يعد من الأنهار  الجارفة ، والشيء نفسه ينطبق على نهر النيل فمن يصدق أن الأهرام كانت تقع على شاطئ النيل مباشرة وأن النهر قد إنحسر حتى أصبح يبعد حوالي عشرة كيلومترات عن الأهرام ؛ فكم غطى من آثار وكم جرف من مبان؟ ويمكن أن نضيف هنا أنه كان للنيل أكثر من عشرة مصبات منذ عشرة آلاف عام وأن هذه المصبات تناقصت حتى اقتصر على فرعين فيما يشبه الدلتا وهما فرعا رشيد ودمياط وهندها يمكن أن نتصور الحضارات التي قامت والتي اندثرت خلال عشرة آلاف عام أو يزيد. وفي صحراء بلاد الشام شمال الجزيرة العربية قضى نهر الفرات على حضارات لعل أهمها حضارة ماري وهو موقع مهم كان  للتنقيب أثره في الكشف عن أكبر مكتبة عرفها التاريخ من الرقم الطينية ومثلها ما اكتشف أخيراً في ابلا وغيرها من مناطق أعالي نهر الفرات .

2- الزلازل : إنها عامل له من القسوة والضغط على الإنسان عقيدياً واقتصادياً واجتماعياً ما يجعله عاجزاً أمام قدرة الله عز وجل ومع ذلك لا يزال الإنسان يبني ويعمر في المناطق نفسها لأن الله خلقه لعبادته ولعمارة الأرض . وقد قضت الزلازل على مدن بأكملها ولعله من المعلوم أن ساحلي البحر الأحمر وما جاورهما وبلاد الشام وتركيا وإيران وسواحل البحر المتوسط منطقة زلازل كان من نتيجتها التأثير على كثير من الآثار سواء في الحِجْر ومَدْين في المملكة أو البتراء في الأردن . ولعل الكثير منا يتذكر الزلزال القوي الذي قضى على مدينة ذمار في اليمن قبل أكثر من ربع قرن ولولا ما قدمته المملكة من إعادة بناء وتعمير المدينة لأصبح جزء كبير منها قد دخل في اعداد الآثار ومثل ذلك قد حدث لمدينة أصنام في الجزائر وأغادير في المغرب. أما الإسكندرية فيه أكبر شاهد على ما تصنعه الزلازل في المدن إذ لا يزال البحث جارياً عن الحي الذي كانت تسكنه كليوبترا أشهر ملكات مصر في العصر البطلمي ، وما شهدناه مؤخراً في زلزال تركيا أكبر شاهد على ما نقول .

3- الرمال : وهي عامل دفن للآثار فنحن في قرية الفاو نعاني الكثير من زحف الرمال وسفيها . فما نحفره في عام تتكفل الرمال بدفنه في الام الذي يليه . ولنا أن نتساءل أين مدينة جواثا الإسلامية التي أنشئ فيها أول مسجد في الإسلام  صُليت فيه جمعة خارج المدينة المنورة؟ والجواب أنها مدفونة تحت الرمال ومثلها ثاج وغيرها من مدن المنطقة الشرقية ومثلها آثار الجوف وسور تيماء ومدن  وادي الدواسر أما حضارات الربع الخالي فدونها خرط القتاد. لذلك فإن التنقيب عن الآثار يكلف مبالغ كبيرة وجهداً شاقاً وتقنية حديثة تساهم في الكشف عن أثارنا قبل أن تأكلها الرمال .

4- ارتفاع مستوى المياه : هذه إحدى المشاكل التي تعاني منها المدن الكبيرة كالقاهرة حيث بدت الآثار عند الهرم وأبا الهول تتأثران بذلك ، وسقوط كتف أبي الهول كان من أكبر الشواهد ، ولعل ما نشاهده على بعض واجهات المقابر في الحِجْر من تشققات ناتج من ارتفاع منسوب المياه بسبب ارتفاع المزارع حول المنطقة . وللسدود دورها في ذلك إن لم تؤخذ الاحتياطات اللازمة للحفاظ على الآثار .

5- الأملاح : الأملاح أكبر مثال على تأثر البنيان بالأملاح هو مدينة جيزان فإن تشبع التربة بالمياه والأملاح حرم المدينة القديمة من استعادة شبابها . وللأملاح نصيب في القضاء على كثير من آثار مواقع منتشرة في المنطقة الشرقية ودول الخليج .

 

ب _ الآثار والإنسان :

1- الجهل بأهمية الآثار : وهي من أهم المشاكل إذ أننا نحاول بشتى الوسائل الممكنة توعية الناس بأهميتها ووجوب العناية بها والمحافظة عليها من الدمار ، ولكن المشكلة التي قد تنبع من التوعية هي محاولة المواطن الاستحواذ  عليها لتصبح له ملكاً ورصيداً مستقبلياً لأولاده من بعده، وهنا يكثر الطلب على شراء الآثار وخزنها لبيعها مستقبلاً عند الحاجة . ومن نماذج الجهل بالآثار هو أنه عندما يقوم المواطنون برحلة برية يشاهدون الآثار في شكل نقوش ورسوم ووسوم أو قطع فخارية جميلة أو تشكيل حجري جميل فيحاولون إما أخذه للاحتفاظ به ويجمعون كمية من ذلك ثم يقومون برميها وهم يغادرون المنطقة التي قضوا فيها وقتهم وبذلك يتسببون في نقل الأثر من مكانه فيصبح الأثر بعدها بدون شهادة ميلاد .

2- لصوص الآثار : أما الطامة الكبرى فهم نوع آخر ممن يهددون الآثار وهؤلاء هم المدربون على دراسة مواقع الآثار وكيفية التنقيب عنها وسرقتها وتسويقها وهم عصابات متخصصة يأتون إلى المواقع مجهزين في أي وقت ويستنفردون بحارس الآثار وتحت التهديد يعملون ما يشاءون ويأخذون ما أتوا من أجله ولا يظهرون ما وجدوه في بيئته المحلية خوف الفضيحة وإنما يذهبون به إلى الخارج ويبيعونه بثمن باهظ أو بخس حسب ثقافة السارق والمشتري ، ونلاحظ أنه لا البايع والمشتري يستطيع أن يصرح بمصدر القطعة لأنهما يعتبران في نظر القانون مشتركين في الجريمة فالبايع والمشتري مجرمان والمتاحف الغربية مليئة بآلاف القطع المنهوبة .

3- الرعاة : وهؤلاء يقومون بالتجوال في البراري والجبال وعندما يشاهدون نقوشاً أو كتابات أو رسوماً يحاولون تقليدها أو أخذها ويكون من نتيجة ذلك طمس معالم الآثار القديمة ومسخها . وهنا يمكن أن نذكر ذلك الراعي الذي أكتشف مخطوطات البحر الميت بالأردن إذ وجد أول الأمر جرة فيها لفافة مكتوبة داخل كهف فأخذها ونزل بها إلى القدس وباعها ليهودي، وهكذا استمر عمله هذا حتى وصلت المعلومات إلى السلطات الأثرية في الأردن فذهبت إلى الموقع وأخذت ما بقي من هذه اللفائف التي كان لاكتشافها أثر كبير في إلقاء الضوء على جزء محدد من التوراة خاصة بفرقة انفصلت عن اليهود في القرون الأخيرة لما قبل الميلاد وقد قامت الحكومة الأردنية بتنظيم معارض لهذه اللفائف في أوروبا في الستينات ، ولكن عندما احتلت إسرائيل القدس سنة 1967م، كان أول ما فعلته هو الذهاب إلى المتحف والاستيلاء على ما فيه وخاصة مخطوطات البحر الميت التي أصبحنا لا نسمع بعدها شيئاً عنها . فكان طمع الراعي وعبثه سبباً في فقدنا لمصدر مهم من المصادر المصححة لما هو موجود في التوراة .

4- الحروب : نار مستعرة لا تأتي على الإنسان فقط بل تضر حضارته ومنجزاته ، فقد أتت الحرب على متحف الكويت ومتحف الآثار الإسلامي بها وسرقت تحفهما الرائعة التي لا تقدر بثمن . إن أول ما قامت به إسرائيل عندما احتلت الضفة الغربية أن احتلت متاحفها وفيها كل نتائج التنقيبات التي كانت تقوم بها البعثات الأجنبية وكذلك فعلت عندما استولت على سيناء واستطاعت أن تُصدر خارطة أثرية لمواقع آثار سيناء وسرقت كثيراً منها ، إلا أن السلطات المصرية استعادتها ولعلها استعادت أيضاً ما لدى موشي ديان وأمثاله من لصوص الآثار اليهود . أما الحرب الأخيرة في اليمن فقد نهب بسببها متحف عدن بالكامل وسربت بعضها إلى الخارج . وأفغانستان فقدت كل تراثها والعراق سرقت ونهبت متاحف وكان متحف بغداد في يوم من الأيام أجمل متحف في العالم العربي ، وكذلك متاحف لبنان لم تنج من السرقات الأثرية  بل لعل لصوص الآثار وصلوا لما في باطن الأرض وأرجو أن تكون تنقيبات بيروت قد نجت من هذه السرقات، وهكذا فالحروب تدمير للتراث والحضارة رغم وجود اتفاقية عالمية تدعو إلى عدم التعرض للمؤسسات الحضارية والمتاحف وعدم المساس بها إلا أننا لا نجد لذلك صدى . ففي أوقات الحروب أول ما يفكر فيه الإنسان المقاتل وغير المقاتل هو السرقة والتخريب لانعدام الوازع الديني والأخلاقي ، وفيها يعود الإنسان بتفكيره إلى عصور الغاب، ويتحول ذلك الإنسان المهذب إلى إنسان شرس ، لأن مبدأ الحروب هو تكون أو لا تكون ، فأقل ما يمكن أن يؤلم البلد المُحارب هو سلخه من حضارته ومن كل ما يعتز به

5- زحف العمران : تشير الحسب المئوية إلى أن العالم العربي يتكاثر سكانه بنسب عالية وفي مقدمته المملكة العربية السعودية بنسبة تزيد على 3.5% سنوياً ، ومعنى هذه الزيادة في السكان ، زيادة في المساحة السكنية . ومعنى ذلك توسع عمراني على حساب المباني القديمة والتراث العمراني وخاصة في المدن القديمة ، إذ أنه بالإمكان ترك المدن القديمة على حالها والتوجه إلى الصحراء والأراضي البيضاء بحيث يتم تخطيطها تخطيطاً عمرانياً حديثاً ، ولكننا نلاحظ أن التوسع العمراني والقضاء على القديم كان بحجة أن البناء الطيني لا يقوى على عاديات الزمن ، ولكن ما نشاهده في المدن الأثرية مثل قرية الفاو أكبر شاهد على بطلان هذا الادعاء ، إذ أن المشكلة ليست في الطين ولكن في الرغبة فيما هو جديد والإعجاب به ، مما أفقد المدن أصالتها وعراقتها ، بغداد عاصمة الرشيد لم يبق منها الإ القليل ، دمشق تآكلت ولكن بقيت فيها بقية بحكم وجود الجامع الأموي وما حوله ، أما القاهرة فقد احتفظت إلى حد ما بالتوالي الحضاري للقاهرة الفاطمية والأيوبية والمملوكية والخديوية ، ولكن يشوه كل ذلك الجمال العمارات الإسمنتية التي لم ترتفع إلى مستوى الذوق الرفيع في البناء السابق . ولعل مما يلفت النظر أن أكثر الدول العربية اهتماماً بالتراث العمراني هي دول المغرب وخاصة المملكة المغربية ، ولا نستطيع أن نعزو ذلك إلى انخفاض مستوى المعيشة ، إذ لا بد أن أسباباً أخرى كانت وراء ذلك لعل من أهمها استمرار سكنى الناس في هذه المدن دون شعورهم بالحاجة إلى استبدالها ، وكان توسعهم خارج الأسوار لذا جاء توسعاً طبيعياً ولا أدل على ذلك من مدن فاس أو مراكش .

إن التوسع العمراني كان سبباً في قلق الآثاريين على التراث فكان لا بد من حصر هذه المنازل والخانات والسبل والمساجد والزوايا والكتاتيب ورسمها ورفعها معمارياً وخاصة دمشق والقاهرة وغيرهما من المدن العربية والإسلامية ، إلا أن مدننا لم تحظ بهذه العناية الفائقة بل إن الخطر قد لحق بآثارنا خارج المدن، فانبرى الغربيون ينتشرون في كل بقعة من أرضنا يرسمون ويصورون ويجمعون ما خف حمله ويشترون ما أمكن شراؤه . وبدأت الحافلات والناقلات تمخر أبواب الصحراء ، وبدأت الكسارات تأكل كل شيء دون تمييز وعندها بدأت الآثار من سدود ومبان وطرق ومعالم تتهاوى أمام التوسع العمراني والحضاري الحديث. فمتى نضع لأنفسنا عقداً نتفق فيه ونتعاهد على أن تراثنا جزء منا وأن فقده فقد لجزء من كياننا وأن بقاءه ودراسته وأخذ العظة والعبرة منه تجدير لوطنيتنا وتعميق لشعورنا بالولاء والانتماء وأن الأمن الحضاري جزء من الأمن المعيشي والرخاء الآمن .

تقارير علمية

رجوع

عناوين البحوث